د. عبد المجيد قاسم @mageed

2017-05-21 18:36:07 منشور معدل للعموم

القانون الوضعي بين القبول والرفض

يلعب القانون في المجتمعات الحديثة دورًا مهمًا في ترسيخ قيم العدالة بما يتفق وما تراه الجماعة لا بما يجب أن يكون، والجماعة هنا هي الشعب في إقليمٍ معين، أي في الدولة بمفهومها المعاصر التي هي شعبٌ وسلطةٌ وإقليمٌ.

فالقانون لا يعكس المثل العليا، ولا القواعد الطبيعية التي هي قوانين الفطرة –برغم أنهما نظريًا من مصادر القانون- بقدر ما يعكس إرادة مجموعة من البشر في رقعةٍ جغرافيةٍ معينةٍ، حتى ولو كانت هذه الإرادة تتعارض وناموس الخليقة الذي هو مجموعة القواعد التي يتفق عليها البشر مع اختلاف بيئاتهم وألوانهم وألسنتهم وأزمانهم، تلك القواعد التي يحتاج الخروج على أيٍ منها إلى تبرير خاص، في الوقت الذي لا يحتاج تطبيقها إلى أي تبرير.

إن هذه النقطة بالتحديد هي الفارق بين القانون الوضعي والقانون السماوي (الشريعة)، فالشريعة هي تقنين للفطرة في شكل أحكام يتعبد المرء باتباعها وامتثالها، بينما القانون الوضعي هو أحكام تواضعت عليها الجماعة كونها تعبر عن مجموعة من الأطر التي تواضعوا عليها، والتي تحمل طابعًا نفعيًا محضًا.

من هنا جاء رفض فكرة القانون الوضعي من أتباع الوحي، فأتباع الوحي سواء أكانوا رجال كهنوت، أم فقهاء - فنحن هنا لا نتكلم عن دينٍ بعينه- يرون أن فكرة القانون الوضعي تقوم على مخالفة الناموس أو الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إن رفض القانون الوضعي من قبل رجال الدين ربما له مبرره ليس فقط من جهة كنهه، ولكن من جهة فكرته، فالفكرة أساسها رفض سيطرة غير العقل على الإنسان، وهي من إرهاصات التخلص من سيطرة الكنيسة في القرون الوسطى والإعلان عن "موت الإله!!".

فما يخص الشريعة الإسلامية، فإنها لم تقف حائلا بين الإنسان وشغفه في التنقيب عن الحقيقة في شتى المجالات، وكانت رسالة السماء إلى أهل الأرض أن: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا"، وقد أشار القرآن إلى دور العلماء في فك رموز هذه الحياة، وكشف أسرارها فجاء في سورة العنكبوت: "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون". إذن نحن لسنا بصدد شريعة تجعل الحقيقة حكرا على سدنتها، ولسنا أيضًا بصدد شريعة قاصرة، فيلجأ المؤمنون بها إلى غيرها لتنظيم حياتهم، نحن بصدد شريعة أشار الكتاب الذي يحويها إلى أنها شاملة، حيث قال القرآن: "ما فرطنا في الكتاب من شيء". لكن تبقى إشكالية جوهرية تحتاج إلى نظر.

إن الشريعة الإسلامية التي جاء بها الكتاب والسنة النبوية بشكل مباشر ليست كبيرة الحجم كتلك التي بين أيدينا اليوم، فآيات الأحكام في القرآن الكريم لا تتعدى الخمسمئة آية، من مجموع ستة آلاف ومئتين وستة وثلاثين آية، أي أن الشريعة أو القانون الإسلامي الذي يحتوي منظومة (افعل ولا تفعل) لا يشغل سوى 8 % من مجموع آيات القرآن الكريم، وقد جاءت السنة النبوية مفصّلة لآيات الأحكام في القرآن الكريم، ومنشئة لبعض الأحكام على اعتبار أنها الشق اللآخر من الوحي، لكن أحاديث الأحكام لم تتعد هي الأخرى بضع مئات من الأحاديث جمعها الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة 600ه في كتابه عمدة الأحكام الذي احتوى أربعمئة وتسعة عشر حديثًا، هي جملة ما احتوى من أحكام في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

لكنّ ما بين أيدينا من كتب الفقه وأبوابه يفوق هذا أضعافا مضاعفة، ولم يسم الفقهاء ما بسطوه في كتبهم بناء على فهمهم لهذه الآيات والأحاديث المحدودة شريعة، بل سموه فقهًا، أي فهما، وهذا يعني أننا أمام فهم غير مقدس، حتى وإن بُني على نصوص مقدسة، ولو استعرنا المصطلحات بناء على أنه لا مشاحة في الاصطلاح فسنقول إننا بتعاملنا مع المنظومة الفقهية التي سطرها الفقهاء في كتبهم، والتي اختلفت بحسب الفهم، وخاصة في جانب المعاملات، ونتيجة هذا الاختلاف، نكون أمام قانونٍ وضعي مؤسس على فهم الشريعة الإسلامية! وقد تحيد بعض الآراء عن هذه الشريعة نتيجة الخطأ في فهم النص الشرعي! فثمة فرق بين الحكم المستنبط من النص وبين النص ذاته، لذا فلا غرابة في الاختلاف بين العلماء الذي ينتج عنه وجود أحكام مختلفة مصدرها نصٌ واحد، فلو قلنا إن هذه الأحكام هي الشريعة فسنكون أمام شريعة متعددة يناقض بعضها بعضًا، والواقع أن الشريعة هي ذات النصوص التي هي كالمنهل بالنسبة إلى وارديه، وكلٌ ينهل بحسب فهمه، ويضع بناء على الفهم الحكم الذي ينسب إليه لا إلى ذات الشريعة، فيكون هذا فقه أبي حنيفة، وذاك فقه مالك، وهكذا، وتبقى حجية الإجماع، وتقديمه على النص دليلا على صحة ما نقول، وهذا وذاك غير ملزم إلا إذا اعتمده القضاء وقضى به، فيكون وجه الإلزام مستمدا من سيادة الدولة لا من أصل الحكم، ونكون بذلك أمام قانون وضعي، قد يصيب عين الحق، وقد يخطئ، وللحاكم إذا أصاب أجران، وإذا أخطأ أجرٌ واحد.

إن القانون الوضعي بالمفهوم الحديث ليس سوى مجموعة من القواعد تواضعت مجموعة من البشر على اعتمادها نظامًا يتم التحاكم إليه أيًا كان المصدر، وقد يوافق بعضها أو جلها الشريعة، وقد تكون الموافقة من باب عدم المخالفة، فنصوص الشرع محدودة، وطالما أن القاعدة القانونية التي ألزمت الجماعة نفسها بها لم تخالف هذه النصوص فقد وافقتها إذا حققت مصلحة معتبرة، أو لم تفوت بتطبيقها مصلحة معتبرة، والأمر كله يقع في دائرة السياسة التي عرّفها ابن عقيل بأنها: "ما كان فعلا تكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي"، وفي معرض بيان ذلك يستطرد ابن القيم ناقلا عن ابن عقيل قوله: فإن أردت بقولك "إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن..."، وهذا المنقول عن ابن القيم من كتابه الطرق الحكمية، وإن كان قد قصد به باب السياسة الشرعية، أي تلك التي يتم العمل بها في غير موارد النصوص، إلا إنه أساس فكرة وجود تصرفات ممن له ولاية الأمر دون أن يكون لها سند من منطوق النص، فهي تصرفات تجد سندها من المصلحة التي هي كلي الشريعة.

أخيرًا، ينبغي ألا نغفل نقطة أخرى مهمة تتعلق بإرادة تطبيق النص، ومصدر تلك الإرادة، وأثر ذلك في الفصل بين ما هو وضعي، وما هو ديني، مرجئًا ذلك إلى مقالة أخرى.

د. عبدالمجيد قاسم

الأحد: 25 شعبان 1438هـ، الموافق 21 مايو 2017م

تحميل ..