صلاح الدين السرسي @Dr-Ssersy

2017-05-06 09:18:07 للعموم

اغلقوا السجون وعمروا المدارس:

كانت ظروف سنغافورة في الستينات غاية في البؤس: جهل وفقر ومرض وفساد وجريمة واغتصاب، كل مناصب الدولة بيعت لمن يدفع أكتر، كانت الشرطة تخطف البنات السنغافوريات الصغيرات للعمل في دعارة الأجانب، ويقاسموا اللصوص وبنات الليل فيما يجمعون من أموال، وحتى القضاة باعوا أحكامهم لمن يدفع.

قال الجميع: الإصلاح مستحيل، لكن رئيسها لي كوان يو الْتفت إلى المعلمين والمدرسين الذين كانوا في ضنك بؤس شديد، فمنحهم أعلى الأجور والمرتبات في الدولة، وقال لهم: أنا عليّ أن أبني أجهزة الدولة، وأنتم تبنون لي الإنسان، واهتم بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنى المدارس، والجامعات، وأرسل الشباب الى الخارج للتعلم، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم لتطوير الداخل السنغافوري".

تلك كانت سياسة "لي كوان يو"-مؤسس سنغافورة وأول رئيس وزراء لها، التي أجاب بها على تساؤلات الناس عن الكيفية التي استطاع بها أن ينقل سنغافورة من دولة كانت في الستينيات من أكتر دول العالم فساداً وجهلاً وتأخراً وتنعتها باقي الدول بـ "مقلب الزبالة وأرض المجاري" و الآن أصبحت من أقل ٣٣ دولة في العالم في الفساد و رابع أقوي مركز مالي في العالم ويصفها الناس بـأنها "جنة آسيا" !!

والجدير بالذكر أن "لي كوان يو" في مستهل رئاسته للوزراء في سنغافورة، اتصل بـ "جمال عبد الناصر" يطلب منه مساعدة سنغافورة بمدها بالمدرسين المصريين (الذين كانوا وقتها على أعلى مستوي) ليِدَرّسوا للطلبة في المدارس التي سيبنيها، لأن مصر كانت في هذا الوقت "أم الدنيا" بالفعل وليس بالشعارات وتقدم المساعدات لكل الدول النامية ومما كان يثير دهشة "لي كوان يو" غسل شوارع القاهرة "أجمل مدن الشرق الأوسط وقتها بالمياه والصابون كل يوم وأن تمتلك ثاني شبكة سكك حديدية في العالم والعديد من الكباري من سنة ١٩٠٠ ...

لكن الرجل صدم عندما تم تجاهل طلبه وكان معني هذا التجاهل أن عبد الناصر لا يعتبر سنغافورة دولة أصلاً وليس لها مكان واضح على الخريطة ولا يمكن أن تكون لها قيمة في المستقبل، لأن وقتها كان معظم السنغافوريين يعيشون في أكواخ في الغابة وليس لديهم بيوت.

لم يستسلم "لي كوان يو" رغم إن كل المؤشرات حوله تنذر بالانهيار، فنسبة البطالة عالية جداً والدولة الجديدة تقريباً لا تمتلك أية مقومات: لاجيش، ولا بنية تحتية، والشرطة لا وجود لها من الناحية العملية، والمدارس والجامعات لا تفي بالحاجة والمناهج متخلفة للغاية، كما لا يوجد صرف صحي ولا مياه نقية والناس كانوا يستحمون في الشارع بجراكن مياه يحضرونها من البحر.

هذا غير الغليان العنصري والديني الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة، والتهديد الخارجي الذي لم يتوقف، ولكل هذا كان الجميع يتوقع الفشل للرجل ومشروعه.

وبدأ بناء سنغافورة بتجميع السنغافوريين جميعهم حوله وبدأوا بالعزيمة والإصرار والكفاح والجد من الصفر (يمكن حتى من تحت الصفر)، وبدأ "لي كوان يو" بمحاربة الفساد بل ومواجهة شبهاته، ووحد لون الزي فجعله أبيضا رمز للشفافية والنقاء وعدم الفساد.

وأول زرع غرسه هو وفريقه واضعين كل إرادتهم وعزيمتهم فيه هو "تعليم الأطفال وزرع التفاؤل والمحبة والسلام فيهم" لاقتناعهم بأن الجيل الجديد إذا تم تعليمه بالشكل الصحيح، فإن البلد كلها ستصبح عظيمة ومتقدمة في سنوات قليلة، وكان هذا هو الحل السحري للقضاء على الفساد.

من أجل هذا أمر "لي كوان يو" بإغلاق السجون وفتح المدارس.

كان حلم حياته أن يبني "بلدا بشعبه وليس له "، لهذا بنى المصانع وليس الإعلام وأنشأ المصانع في كل مكان وطلب من الناس أن تشتغل وتبتعد عن الإعلام والصحافة، "لأن الدول القوية تُبنى بالعمل والاجتهاد وليس بالكلام والوعود".

والجميل أن شعار الدولة أصبح "الأخطاء دروس"

واهتم ببناء الفنادق والمناطق السياحية لقناعته بأن السياحة تشغل آلاف الشباب وتدخل مليارات الدولارات وهذه الموارد تأخذها الحكومة لتبني بها مشاريع استثمارية عملاقة جديدة، وهذا هو ما جعل سنغافورة الآن من أقوي دول العالم في السياحة.

ومن أهم إنجازاته أنه جعل سنغافورة أكبر ميناء ملاحي في العالم وأصبحت تستقبل أكتر من ٧٥٪ من تجارة الحاويات في العالم كله.

كما أنه جعل سنغافورة في ١٩٩٠ تكون أول حكومة إلكترونية في العالم وقضى فيها على كل الطوابير دون بيروقراطية أو روتين.

كما أنها من أقل دول العالم في الجريمة رغم قلة تواجد شرطي في الشارع. لأن كل شبر في الدولة مغطي بكاميرات إلكترونية تستخدم بالأسلوب الصحيح لحفظ الأمن والأمان "دون جرح خصوصية الناس"...

والأغرب والأعجب من هذا كله إن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سنغافورة اليوم أكثر من ٦٠،٠٠٠ دولار يعني ما يزيد عن مليون جنيه مصري مقارنة بسنة 1969، الذي كان حوالي ٥٠٠ دولار فقط !!

وبعد أن كان المواطن السنغافوري لا يتمكن من دخول أي دولة بجواز السفر السنغافوري دون تأشيرة دخول في الستينيات، الآن السنغافوري يستطيع أن يدخل بجواز سفره ١٦٧ دولة في العالم دون الحاجة لتأشيرة دخول مسبقة. 

تحميل ..