وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2017-02-27 18:19:09 للعموم

عندما يرفض الله مطلب التوبة

الغرفة مظلمة ظلمة المستقبل، و ظلمة قلوب الناس وظلمة القبور. و أنا لازلت أتقلب يمينا شمالا منصتا إلى صوت الرياح بالخارج، رياح تصدر صفيرا موحشا يحرك أغصان الأشجار و قصدير البيوت الصغيرة.
كان حلول الشتاء في السابق يمثل حلول السعادة المطلقة، كنا نسرع في إفتكاك مكان قريب من الجدة، بجانب النار التي تحتضن إبريقا من الشاي، و ذلك لنحظى ببعض الخرافات و القصص التي لم نكملها يوما، بل نطالب الجدة بأن تخبرنا بها، فننام مجددا دون أن ننهيها. كنا نرفض أوامر الأباء الحاثة على النوم لأن الغد يوم دراسة، و الدراسة هي الشئ الوحيد الذي سينقذنا من مطبات الزمن، و الذي سيعيد للعائلة مجدها المفقود.
كان المحظوظ فينا هو من يضع رأسه على فخذ الجدة، فيحظى أيضا بدلك شعره بأصابعها الغليظة، بعد أن تغطيه بلحاف كبير صنعته منذ فتوتها. كان ذلك المحظوظ واضعا رأسها على فخذها، و ينظر إلى الأشياء الموجودة أمامه و هي مقلوبة، لأنه متكأ، و يتحمل مسؤولية إتكاءه.كنا نشرب الشاي دون تفطن الأبوين، حيث تمنحنا إياه الجدة و كأنها تعطينا السلع المهربة عبر الحدود، مع قليل من اللوز الساخن. لم يكن هناك شئ إسمه تلفاز، و لا فيسبوك، و لا ألعاب فيديو، بل قليل من القصص الشتوية و ما تيسر من كرة القدم كل عشية.
كانت الأيام تمر دون متاعب، لأننا لا نشعر بالمتاعب، فقط بالمرح و الفرح، تاركين المتاعب لقلوب الأباء الذين طالما قالوا لنا: "ستكبرون و ستعلمون أن الحياة محمية ذئاب كبيرة، ذئاب من كل فصيلة، لن تستطيعوا العيش فيها إلا إذا صرتم ذئابا، و ذئابا من أنقى الفصائل". لم نكن نفهم العبارات، بل كنا نظن أنها مجرد توصيات مخيفة لنبذل جهدا كبيرا في الدراسة، و أن الناس طيبون و رائعون. كنا نستيقظ في الصباحات الشتوية و قد تسرب الشاي خارج أفواهنا، و إمتلأت أعيننا بالدموع المتجمدة، و نسينا إنجاز التمارين.
لقد إقترف الزمن في حقنا خطآ كبيرا، التقدم في السن، بعد أن كنا يانعين، مثل آلة دون برمجة. صرنا كائنات مسعورة، غير مروضة، ننسى و نتناسى و نكذب و نماطل و نبغض و نكره، لم نصبح مثل الآلات، بل صرنا آلات فقدت السيطرة على نفسها، فدمرت بعضها و دمرت منازلها و أوطانها و العالم، ثم الكواكب، ثم درب التبانة.
اليوم، عدى أنه يوم إثنين ركيك و ثقيل على الموظفين و العاطلين عن العمل و المرضى، فهو واحد من أيام طويلة عسيرة على الأحياء و الموتى على حد السواء، و على الأجيال القادمة التي تصبح بعد موضوع حديث الأزواج أو المتحابين الذين لم يلتمسوا بعد طريق العائلة. ننام كل مساء بعد صراع مع هذا الحاضر الإسمنتي، نتأمل الفلك باحثين عن الزودياك المزعوم، ندغدغ ذاكرتنا علها تقطر أيام الطفولة، التي أصبحت واقعا يقيم في الليل، و ينبثق عند إنطفاء كل الأنوار، و كل مصادر الضوء.
لم يعد هناك فخذ الجدة، و لا الشاي و لا حكايات الأبطال النازيين الذين أقاموا هولوكست غرامية، للظفر بحبيبة لا تطالها إلا يد واحدة، هي يد الجد المتوفي و الذي ترك حبيبته تقص الأحداث لأحفادها، المتكئين على فخذها، بعد أن إستنشقوا روائح العلكة التقليدية المفعمة بالسلام و المحبة و البساطة. هو كلام فضفاض لا معنى له، لكن اللامعنى هو معنى بالنسبة للكثيرين، و خاصة العدميين منهم، الذين إشتاقوا لليالي الشتاء الحلوة، التي لا تنتهي و لا تشوبها متاعب، عبثيون في محمية الذئاب دون أن ندري.
تحميل ..