قبّعة الشّرطيّ (قصّة قصيرة ) | مدارج

عبد اللطيف علوي @Aloui_Abdellatif

2017-02-19 20:24:29 للعموم

قبّعة الشّرطيّ (قصّة قصيرة )

كان ذلك في زمن، صار اليوم يبدو لي قديما... قديما جدّا

أيّام ما قبل التّلفاز، والمجلاّت الملوّنة ... أيّام كان للصّور وللرّسوم سحر وإيحاء غير ما صارت عليه اليوم...

نحن الّذين درسنا في كتب "الرّياض"، كانت هي كلّ عالمنا، ... يوم نشتري الأدوات المدرسيّة، القليلة، أوّل ما نبدأ به هو أن نتصفّح كتاب القراءة، بشغف ودهشة لا تتكرّر إلاّ مرّة في بداية كلّ سنة دراسيّة، نتصفّحها بلهفة بحثا عن الصّور... كلّ الصّور، ولم تكن في الحقيقة سوى رسوم بالقلم وحده، بلا ألوان وبلا أيّة تعقيدات... غير أنّ أعيننا كانت تنتفتح أمامها دهشة وذهولا، وعقولنا تسرح فيما وراءها، وكأنّها نوافذ تنفتح على عوالم من السّحر والأسرار...

من أكثر ما شدّ انتباهي في تلك الرّسوم، صورة الشّرطيّ، ذلك الأنيق دائما، الوسيم دائما، البشوش دائما ... يقف في المفترق شامخا مستقيما ويشير بيديه بحركة أنيقة، أو يمدّ يده إلى عجوز كي يعبر بها الطّريق، وعلى وجهه ابتسامة الرّضى، وفي عينيها نظرة الامتنان ...

كانت بدلته السّوداء تبدو مكويّة بإتقان عجيب، يقارب الكمال، لم يكن لدينا مكاوٍ حينها... كان يكفي أن تكون ملابسنا نظيفة، وبأقلّ ما يمكن من الرّقع، ( الطّبايب ... لمن يعرفها ) ... ولا يهمّ بعد ذلك كيف تكون، حتّى ولو مضغتها ناقة...

أكثر ما كان يشدّني في كسوته هو قبّعته المهيبة... بشكلها المميّز، وغموضها السّاحر، خاصّة حين تنحني قليلا لتغطّي جانبا من عينيه، وذلك الشّعار الّذي يحلّيها من أمام... كانت تجعله في نظري شخصا بلا نظير، تمنحه الهيبة والكمال والاستعداد الدّائم لمحاربة اللّصوص والأرواح الشّرّيرة وأعداء الوطن...

لم أكن أرى الشّرطيّ إلاّ في رسوم كتاب القراءة، حتّى حدث أن هاجمني ذات يوم أحد الكلاب العائثة فسادا في الدّوّار وأثخن فيّ عضّا... كلب جارنا الّذي يكرهه أبي كثيرا، وكان ينتظر أيّة فرصة، كي يقلي له الزّيت في عينيه مثلما كان يقول...

كان عمري ربّما تسع سنوات، أخذني أبي يومها إلى مركز الحرس ، كي يقدّم الشّكوى بجاره اللّدود ...

عندما دخلت، فوجئت بأنّ العون الجالس في الاستقبال لم يكن أنيقا جدّا ولا رشيقا كما يبدو لي في الرّسوم... بل كانت صدمتي أكبر أن وجدته أصلع، بشعرات متنافرة على الجانبين، والقبّعة ملقاة على طرف الطّاولة الخشبيّة المهترئة...

حين وقف، جذب السّروال إلى أعلى من الجانبين ثمّ من الوسط، ثمّ أعاد شدّ الحزام جيّدا إلى بطنه النّافرة، ثمّ نظر إلى أبي وصرخ في وجهه:

- لم يبق لنا إلاّ أن نركض خلف الكلاب كي نمنعها من مهاجمة أبنائكم! ... اغرب عن وجهي قبل أن أبيّتك في "الجيور"...

لم أكن قبل ذلك اليوم أتصوّر، أنّه يوجد في هذا الكون من يجرؤ على أن يكسر عنجهيّة أبي وشموخه ... في ذلك اليوم، رأيته يعود كسيرا، طول الطّريق، وهو يركب الحمار وأنا وراءه، لم ينبس بكلمة واحدة سوى سبّ الحمار ولكزه وضربه حتّى كاد يطير بنا...

أمّا أنا ... فقد كانت المرّة الأولى الّتي أكتشف فيها ... أنّ الوطن ... ليس قبّعة شرطيّ!

ـــــــــــــــــــــــــــ

عبد اللطيف علوي

تحميل ..