صلاح الدين السرسي @Dr-Ssersy

2017-01-06 17:34:54 للعموم
الزيني بركات إسقاط تاريخي على حاضر المحروسة
تبدأ رواية (الزيني بركات) لجمال الغيطاني بمفاجآت مدوية، أولاها: عزل والي الحسبة الظالم المتجبر (علي بن أبي الجود) وسجنه ومصادرة أمواله، بعد أن غضب الناس وضجوا طويلا من تسلطه وفساده وتنكيله بعامة الشعب من الفقراء والغلابة، وفتحه أبواب الثراء الفاحش للأمراء وذوي النفوذ مهما ارتكبوا في سبيل ذلك من جرائم. ثم تأتى المفاجأة الثانية: بإصدار السلطان الغوري أمرا بتولية «بركات بن موسى» منصب الحسبة الشريفة والإنعام عليه بلقب (الزيني)، على أن يعاونه (نائبه) كبير البصاصين الشهاب زكريا بن راضي. الأمر الغريب أن «بركات بن موسى» رجل غامض، كبير البصاصين نفسه لا يعرف شيئا عن هذا الشخص القادم من المجهول!!. و«الحسبة» منصب خطير يجعل «الزيني» عزيز مصر، أو الحاكم الفعلي للبلاد الذي يتحكم في أهم شئونها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية يراقب الأسواق وأسعار السلع، وتتبعه أجهزة الأمن والمخابرات (البصاصين) التي ترصد كل شاردة وواردة في أرض مصر وصدور أهلها، الصغير قبل الكبير، حماية لنظام الحكم، حتى لو وصل الأمر إلى هتك ستر العلاقة بين رجل وزوجته ومعرفة عدد مرّاتها وضبطها عند اللزوم، كما حدث مع العطار وجاريته...!
المفاجأة الثالثة الصادمة أن الزيني بركات – وعلى غير ما جرت العادة-تضرع للسلطان «باكيا راجيا إعفاءه من هذه المسئولية الجسيمة. فهو لن يستطيع أن ينام ليله لو كان هناك مصري مظلوم في مكان ما سيحاسب عنه يوم القيامة، وهو لا يعلم به». كاد الشهاب زكريا يفقد صوابه؛ لأن تحرياته تقول إن بركات بن موسى دفع ثلاثة آلاف دينار إلى الأمير قاني، لكي يشترى بها منصب الحسبة...!
وسارت خطة بركات بن موسى المرسومة بدقة، فقد تحركت جموع الناس في الأزقة والحارات، ليتراجع بركات عن رفضه. ولما قبل منصب الحسبة تنفست الجموع الصعداء، مستبشرين بعهد عدل ورخاء.
ولم يكد الزيني بركات يتقلد منصب "الحسبة" حتى تفاجأ الناس بتحولات رهيبة، حيث بدأ الزيني بركات عهده بأعمال تدل – في ظاهرها-على الصلاح، كتعليق الفوانيس ومطاردة صغار المحتكرين؛ لترسيخ صورته حاكما عادلا بين الجماهير. ولما استتب له الأمر، بدأ ينشر الظلم والرعب بينهم، يعذب الفلاحين وينكّل بالأبرياء وينتزع أموالهم، وينشئ جهازا خاصا به للتجسس (البصاصة)، ويقمع المخالفين، مثل الأزهري الشاب (سعيد الجهني) الذي انتزعوا منه محبوبته سماح (مصر)، وزوّجوها لأحد المماليك، ويجنّد زميله عمرو بن العدوى لمراقبته هو وغيره من طلاب الأزهر وعلمائه.
كل هذا الإرهاب للاستفراد بالسلطة وخدمة المصلحة الشخصية، في دولة (رخوة) يتصارع أمراؤها فوق أجساد العباد، كالأفيال في حديقة النمل، خصوصا بعد حسم الزيني صراعه الحاد مع الشهاب زكريا، واكتشف الرجلان أن مصلحتهما واحدة في العمل معا للهيمنة والاستحواذ على الحكم وعلى الحاكم نفسه. أقاما نظاما دقيقا للتجسس على الخلائق، ولصنوف التعذيب الوحشي المبتكرة، كتلك التي تعرض لها المحتسب المخلوع (على بن أبى الجود) في سجنه-ليكشف عن حجم ثروته وأماكن وجودها-: قطع رءوس ثلاثة فلاحين وتعليقها في رقبته، أو حرمانه من النوم، أو طلاء رجليه بالملح وترك (معزة) تلعقها إلى أن يفقد الوعي، أو هرس أعضاء الأبرياء أمامه. والمقشرة، آه من المقشرة. آلة التعذيب الرهيبة!
لا يجرؤ الناس على الاعتراض، اعتادوا الظلم ورضخوا له. لأن «الخير مسكوب والشر باغ والعهر طاغ». نطق رجل عجوز: "ظهور ابن موسى علامة من علامات خراب الدنيا. فانصرف عنه الناس خوفا». شعور عام برهبة خفية من الزيني. هنا الضحية في مواجهة الجلاد المدجج بأدوات التنكيل والبطش.
وتبلغ الإثارة قمتها، عند اكتشاف القارئ أن الاتجار بالدين وسيلة يستخدمها الحكام الكاذبون، في كل العصور للضحك على ذقون الناس. من خلال مشاهد كثيرة في الرواية، لتدلل على أن السمكة تفسد من رأسها، وكذا الأنظمة السياسية، بتهافت الحاكم وفساد حاشيته واستشراء الانتهازيين في دوائر السلطة، وهي طبقة من الخونة التي تأكل على كل الموائد، لذا انكسرت دولة المماليك، بسبب الفساد والقمع والخيانة، أمام العثمانيين بعد أن كانت أهم قوة على وجه الأرض، أوقفت زحف التتار واقتلعت الجيوش الصليبية من الشرق. مات السلطان الغوري –كمدا-تحت سنابك خيل الخونة من مماليكه: خاير بك وغيره من الأمراء في «مرج دابق». ثم يُشنق السلطان طومان باى ويُعلق على باب زويلة، بعد أن غدروا به في معركة الريدانية.. ويختفى الزيني بركات أياما. لتتكشف مفاجأة المفاجآت في الرواية؛ عندما يدنس الغزاة العثمانيون أرض الكنانة ويحتلونها، ويعينون رجلهم (جاسوسهم) واليا للحسبة في بر مصر من جديد، الذي لم يكن سوى (الزيني بركات) نفسه، الرقيب على أمن البلاد والعباد!
لا يتوقف الغيطاني طويلا أمام نهاية الخائن، فهو –بطبائع الأحوال-إلى مزبلة التاريخ ونقمة الأجيال لا محالة. لكن جذوة الأمل في نفوس المصريين لا تنطفئ مهما تتراكم طبقات الرماد، الشيخ أبو السعود رمز الوطنية والضمير الجمعي والتدين (الحق) يجمع زمرة من الشباب الأحرار للثورة ولمقاومة المستعمر وأذنابه.
تحميل ..