خالد بريه @khald_bryh

2016-10-25 23:18:17 للعموم

أنا وأمي ،،

أنا وأمي ،،
حدثني من أثقُ به، أنني لم أكتفي بالرضاعةِ حولينِ كاملين، وإنما أتممتُها خمساً، وفي روايةٍ ستاً.
ويقولونَ أنني كنتُ أحمِلُ اللبنٍ وأنادي أمي أن تعُبَّ منه، كي أتمكنَ من شُربِه بعدَ أن جفَّ الضرع وضُربَ بيننا بجدارِ الفِطامِ الغليظ ..
إنني منذُ طفولتي مدينٌ لِسَحْرِهَا الشريف، الذي شعرتُ فيه بدفئ الأمان، فأبيتُ الانفكاكَ منه ..
في منتصفِ الطفولة، كنتُ أسيرُ معها حيثُ سارت، استوحش بُعدها، ولا أثقُ بأحدٍ سواها، كنتُ كـ قلادةٍ تشبثت بعنقِ صاحبها تأبى الفراق ..
عندما كبرتُ، أبيتُ أن أبني مملكةً بعيداً عن حراءها، فجلستُ بقربها، أحتمي من سهامِ السنين، أتظللُ بظلالِ دعائها من حرِّ الأيام.. وامتلئ يقيناً كلما رأيتُ يديها الطاهرتينِ في علوٍ تستمطرُ العونَ والسترِ الجميل ..
ولفضيلة القُربِ المبارك؛
باتت سفينتنا تمخرُ من شاطئٍ واحد،
وفي الضفةِ الأخرى من شاطئ الأمان، نبتسمُ لأننا سوياً خُضْنا البحرَ بسلام.
في أيامٍ حالكة عشتُها - فيما مضى - كنتُ لا أقوى على الحِراك، كانت أنفاسُها تُهدئ نارَ الحُمَّى التي طالَ حريقُها، وطوقتني بلهيبها، كانَ قربها يخففُ الألمَ الذي نزلَ بي، وجعلني لا أطمحُ بشيءٍ أكثرَ من عافيةٍ تُبقيني في سجلِّ الأحياء ..
كان صديقي البعيد عن أمِّه؛
يغبطني لقربي من بنيانِ الرحماتِ والهبات، ولهذا، لطالما فرَّ إليها يجددُ الحياة برؤيتها، ويرتمي في أحضانها..
فما بينٍ الحين والآخر، يشدُّ رحاله لزيارتها، يسدُّ بها فجواتٍ ملتاعة لقلب مثخنٍ بالألم، تعيدُ إليه الحياة، تهبُ له شيئاً من عاطفة وحبٍّ غادراه منذ رحيله عنها ..
أما أنا فإنني أحمدُ الله بعظيمِ المحامد؛ أن جعلني قريباً من بقعةِ النور، أن أمدَّ ليَّ الحولينِ أحوالاً عدداً بلا انقطاع، ارتشفُ من رحيقها، وأحيا بأنفاسها، وأتخطى دروب الخيباتِ بدعائها، وتنسكبُ الألطاف في حياتي ببركتها .
ولا زالتْ تحملني معها كما كانت تحملني في مبتدئ الحياة.. إنني الصغيرُ الذي لم يكبر . إنني ادعوا الله أن يرزقني برَّها، والتعلق بأستارها، والقربِ منها ..
يقولونَ:
انَّ المرءَ لا يعرفُ ماذا تعني الأم، إلا في حفنةِ الرمالِ الأخيرة التي يهيلها حيث تغيبُ عن عينِ الأيام.. هناك، تتجلى حقيقتها المقدسة التي غبنا، وغيبتها عنا الأيام ومشاغلها .
سلامٌ على أمي أول الأوطان وآخر المنافي.
سلامٌ سلام.
تحميل ..