عبد الرّحيم النّصيري @ABDERRAHIM

2016-06-02 17:19:49 للعموم

النّوء

يقضم أظافره محدّقا في الأفق. يبعد يده عن فيه ويقول مغمغما كأنّما يحدّث نفسه يمتزج صوته بصوت الموج على الصّخر مدّا وجزرا :
- أعلمُ أنّ هذا الأزرق الجميل يقتلني يوما.
أجاريه مستزيدا وأنا لا أكاد أفهم:
- لكنّك قلت إنّه يحبّك.
- بعض منّي يشتاق إلى بعضه. يكون لقاؤنا حلولا.
يدير وجهه نحوي لا يخفي بسمة استهزاء حنون:
- تفهم يوم ترى.
ويعود إلى اللّجة يرمقها حالما ونسمات البحر تداعب شعر رأسه ولحيته.
يتورّد الماء بلون الغروب وقرص الشّمس يغوص رويدا. وفي السّماء طيور تؤوب فرادى وأزواج وسحابات صفر ذهب وحمر دماء. وغيض الضّوء وليل يقدم على استحياء. وهو هو في ذهوله لا يزال وبي رجاء ألاّ ينتبه فنبقى. راق لي الجمال والسّكون ورقّت نفسي وتفتّحت للحلم.
- أمّا محمود فلن يعود... لم أر البحر أقسى ولا أشدّ حنقا من تلك اللّيلة...
أجفلت. صوته وقد عاد يحدّثني انتزعني انتزاعا من عوالم بعيدة كنت فيها.
"كانت ليلة نوء شديدة الحلكة قويّة الرّيح. وكنّا خائفين. أجل أربعة بحّارة غلاظ شداد تحدّينا النّوء مرارا. حدّقنا في عيني الموت فابتعد مهزوما. ليلتها خفنا. لم ينبس أي منّا لكنّ... هل تعرف رائحة الخوف؟ هل جرّبت ملمسه؟ كان هناك حاضرا بيننا..."
صمت مجدّدا فكأنّما أسمع تلاطم الموج وأترنّح مع المركب قشّة تلهو بها اللّجّة وأجد في حلقي الجافّ ملوحة الزّبد. أرى زنودا ثمانية سمرا تصارع تشدّ تجذب ترفع وتهوي تذبّ الموت، تتعلّق بتلابيب الحياة.
"صحبت الكثيرين في حلّي وترحالي وقد قضّيت من سنيّ عمرى على ظهور المراكب أكثر ممّا قضيت على أديم الأرض. لم أر أشدّ منه بحّارا ولا ألين قلبا أو أكرم خلقا. كان في الأربعين قويّ البنية مفتول العضلات لا يهاب عاصفة ولا ينكص أمام صعب. يستثير فيه الخطرُ لذّة العراك ورغبة الانتصار. كان البحّارة يقولون لا تُهزم سفينة ربّانها محمود..."
(من: "صور رافقتني")
تحميل ..