هشام كريم (Hichcham @hischam

2016-05-22 12:43:45 للعموم

الوسيلة هي الرسالة

·
عندما كتب مارشل ماكلوهان،أول من آستعمل عبارة أن العالم أصبح قرية صغيرة، " الوسيلة هي الرسالة" "the medieum is the messageلم يخطر بباله أن هذا العالم سيصير في يوم من الأيام حظيرة صغيرة متحكم فيها من طرف راعي دائم الوجود لكنه غير مرأي !
فمقولة "الوسيلة هي الرسالة "،والتي يمكن أن نفهم منها أنه بالإضافة إلى سبر أغوار الرسالة يجب أن نركز جهدنا على فهم الوسيلة ومميزاتها التي لها أثر بارز على من يستعملها،خاصة إذا كان هذا الستعمل ينتمي "لعصر الرعاع أو الفوضى" ؛الكلمة التي سكها ماكلوهن بدهاء الفلاسفة عن طريق شق كلمةmess-ageالرسالة إلى شطرين (/ mass-age /mess/age) بهذا المعنى لا يسعنا إلا أن نقول أن ما نشر من طرف القائمين على صفحة في الفيسبوك يدخل في إطار الفكر المعلب سلفا الذي من شأنه أن يتم إستهلاكه دون أدنى مبالاة بما نظر له نيتشه عندما قال بفكرة "قلب القيم" "trans-valuation of values"في نقد لاذع للمسيحية ومنظومتها الأخلاقية. قلب القيم ،ولو بطريقة معاكسة للطرح النتشوي، هو ماقام به فعلا أصحاب هذه الصفحة عندما قامو بنشر خبر أثار الكثير من الجدل خاصة في وسائل الإعلام المستقلة عن الأخطبوب الإعلامي العالمي الذي يحاول توجيه الرأي العام للحقيقة المزيفة التي تخدم مصالحه وتلبس القاتل عباءة الظلوم والمظلوم عباءة المجرم .
أول ملاحظة على ما نشر هو العدد المزعوم في كون أنه قد تم إنقاذ ١٤٠ من الأطفال والنساء الايزيديّين من طرف رجل أعمال يهودي!!
فهذا العدد مبالغ فيه إذا آفترضنا جدلا أنه تم إنقاذ !فكل الصحف لم تذكر هذا العدد بما في ذلك صحيفة لوفيغارو ملفا كاملا "للخبر".
ثانيا إعتماد المسؤلين على الصفحة خطاب إنسانوي أجوف لا يمثل إلا رواية صحف صهيونية لا يهمها إلا تزيين صورة شريحة معينة من البشر وشيطنة شريحة أخرى.
ثالثا يجب العلم أن هذا الخبر لم تبث صحته.فقد سبق لزعيم الايزيديّين الروحي بابا شيخ اسماعيل أن عبر عن شكه إزاء ادعاءات ستيف مامان وطالبه بتقديم حجج ملموسة كما كتبت الجريدة الكندية الناطقة بالفرنسية"lapresse.ca".
رابعا ثم التأكيد وبشكل مثير للسخرية والضحك في آن على معتقد "المخلِص" و"المخلَص" يضرب في العمق الفكرة التي من أجلها وضعت الصورة.فكل قارئ متبصر للصورة والخطاب التي تفرزه سيجد نفسه أمام ثلاثة أطراف : المخلص الإنساني الطيب الذي جاء في المقام الأول.المضطهد المسكين الذي آسترعى آهتمام هذا المخلِص الذي يفيض إنسانية وكرما دفعاه لإنقاذ وإرجاعه لحظيرة الإنسان الذي الكريم والمبجل.أما الطرف الثالت فهو المجرم القاتل والعديم الإنسانية.طبعا هذا الطرف الأخير مجرم وقاتل واوجب على كل من له أدنى ذرة إنسانية في قلبه أن يحاربه ويحارب الأفكار التي من الممكن أن تؤدي إلى ظهوره شريطة أن نعرف "من أين جاء"؟؟!
وبعد كل هذا ماذا يمكننا أن نستشف من مثل هكذا منشورات؟
أول شئ أثار حفيظتي هو إعتماد من وضع الصورة ووجه قرائتها هو آعتماد خطاب إنسانوي أجوف لا ميزان له عند أي مفكر حصيف ومنصف .هذا الخطاب الإنسانوي الذي سار مثل خنجر يمتشقه العديد من صغار العقول لإنتقاد كل شئ بما في ذلك القائق الكبرى ، متخدين شرذمة من "المكتئبين والسدج والفاشلين" (كما وصفهم الصحفي الأوروبي الذي آخترق التنظيم الدموي متخدا إسم سعيد رمزي) كمثال لتبلور ذهنية تمثل الآخر الأقل إنسانية ولذلك وجب سحقه! مثل هؤلاء الذين يروجو هذا الخطاب الإنسانوي الرخيص لا قدرة ولا جرأة لهم على آستيعاب ما كتبه فرانز فانون في كتابه "المعذبون في الأرض" :"يجب أن يُدشنوا تاريخًا جديدًا للإنسان الذي يأخذ بعين الاعتبار ... جرائم ]أوروبها[ب والجرائم الأبشع التي قد ارتكبت في قلب الإنسان بحد ذاته."
وإذا أردنا أن نستمر في تفكيك خطاب الإنسانوية الممجوج الذي آعتمد في الصورة فالشواهد والإقتباسات كثيرة.حسبنا أن نذكر في هذا المقام ما كتبه إدوارد سعيد، المفكر العربي الفذ الذي لم يمنعه لا توجهه اليساري ولا مسيحيته من الجهر بالحقيقة وقض مضجع الغرب. فبالإضافة لكتاب ا"لإستشرق" الذي يعتبر نصا أساسيا في كشف رعونة الفكر الغربي الذي قدم نفسه كفكر أكثر إنسانية من الآخر الشرقي ،كتب إدوارد سعيد في آخر مقال له . كنهه أن تكون نا قدًا للإنسانويَّة باسم الإنسانويَّة ...ومتعلما من تجاوزاتها عن طريق تجربة المركزيَّة الأوروبية والإمبراطوريَّة فبإمكان المرء أن يصوغ ضربًا آخر من الإنسانوية." أما فانون فقد وجه نداء عميقا لكل من يتبجح بالإنسانية أن تكون له الجرأة في "صناعة بداية جديدة ، ووضع طريقة جديدة للتفكير ،والعمل على خلق إنسان جديد." وفي إنتظار تحقق هذا الحلم البعيد المنال في زمن الفيسبوك، نتساءل متى سينشر أصحاب صفحة فكر حر صورة و مقتطفات من مقال جون جوني "أربع ساعات في شاتيلا" ،خاصة بعد مرور ثلاثون سنة على وفاة هذا الكاتب الإنساني العظيم؟
)توفي جون جوني )Jean Genet)سنة 1986 في باريس و أوصى أن يدفن في العرائش، وألا يوضع فوق قبره صليب.)
تحميل ..