Rachdi Mehrez @rachdimehrez

2016-05-16 20:56:45 للعموم

كان طالبا...

كان طالبا بالمعنى الدّقيق للكلمة، يطلب العلم في مضانّه، ومن شيوخه، منكبّا على دفاتره يحبّر ملاحظاته الدّقيقة مرّة والعشوائيّة أخرى، يستدرّ المعلومة من أخاديد السّنين العجاف، ويصل إليها ولو حبوا، وإن بات على الطّوى، كان في ما يذكر يعيش مجاعة روحيّة وجد لها إشباعا في دين القلم وديدن الكلمة، ينتشل من بطنه الرّغيف وينسخ به مقالة في اللغة أو الأدب أو الحضارة، يتحيّل ويمكر مكرا لكي يُحصّن عقله وقلبه وينعش مشاعره بفعل القراءة الواعية، يهجر الصّحب ويصدّ الرّفقة لكي يتسنّى له حضور ندوة علميّة أو درس إضافيّ في الاختصاص أو خارجه، هو على يقين بأن الاختصاص عقم والتعدّد فلاح وخصب، فتراه متنقّلا بين كتب الأدب والتّاريخ والاجتماع والفلسفة ومصنّفات الرّموز والأحاجي..مثلما يتنقّل عصفور من بستان لآخر ومن شجرة لأخرى، وتجده مرّة في بيته الأمّ حيث يعاقر خمرة المعاني شعرا وأخرى في منازل مجاورة حاضرا ضيفا في صفّ الفلسفة وغيرها، لا يكلّ ولا يملّ ولا تجنح به سبل الهوى، ولا تنعرج به منعطفات الغواية إلّا بالقدر الشّيطاني الّذي تخيّر وارتأى..نعم لقد كان كذلك وأكثر..كان فتى طموحا، في عينيه بارقة أمل، وبين ضلوعه حمل ثقيل، إنّه حلم متضخّم بأن يكون نجما في ليل دامس، ذاتا ممتلئة بوجودها، مفتخرة بكينونتها، كان بداية لا تريد لها نهاية، فناء في الجوع، وإقامة في الطّريق، وتيها وشرودا في شعاب المعنى حيث الطّمس والمحو والامّحاء...كان حركة لا تهدأ ولا تسكن، ووثبة في اتّجاه..الذّات من كلّ الاتّجاهات......................هكذا حملتني على ظهرها الأرضُ ولم أحتملها.
تحميل ..