عبد الرّحيم النّصيري @ABDERRAHIM

2016-04-09 10:37:22 للعموم

جدّة الفصول

حين أرى في عينه نظرة الحالم تلك، أعرف أنّه سيقول أحسن حديثه. أسلم نفسي للصّوت له في نفسي فعل الخدر. يستحيل أمامي كلمة تبزغ. تنشد رحب الفضاء. تخرق قمقم واقع قد لا يُعجب وتضيء ضجر المألوف. يومها حدّثني قال:
- وهل تضحك الأشجار وتبكي يا جدّتي؟
وتواصل جدّتي سرد الحكاية غير عابئة بأسئلتنا كأن لم تسمعها...
لأمر ما كانت تلك أفضل حكاياتها لدي. أعادتها مرارا ولم أملّ سماعها. وكثيرا ما تعيد جدّتي سرد حكاية تحت إلحاحنا أو حين ينضب ما اختزنت ذاكرتها من قصص قد تكون هي أيضا سمعتها من جدّتها.
"كان يا ما كان فارس شجاع، دائم الترحال والتجوال، يطارد على حصانه الأبيض حلما بين الغيوم. يعشق الجمال ويحن إلى النجوم. كشمس الربيع محيّاه. صوته كالرعد في النزال. والمطر دمعه إذ يرقّ. الريح عزمه والبرق خطوه. تسيّره الدّروب إلى الدّروب فيطوي الأرض ينشد السّماء. يهوى الزّهر ويتعشّق العاصفة. واللّيل يتبعه النّهار والشّمس والقمر يشهدان.
وللفارس حبيبة. أميرة ممّا أبدع الرّحمان. الوجه بدر والجدائل حلكة. مشيتها خطو الضّياء. صوتها هديل الطير في الخميلة. أمل وضّاء ورقّة لا تدانى.
وساحر يعيش على التّخوم. رآها. أحبّها. وهل يملك غير ذلك؟ خطبها فأبت فخطفها. ذهب بها بعيدا عن أعين العباد. قطع الهضاب والوهاد جاوز الغابات والوديان. وآوى بها إلى جبل عسير رقيّه ظنّه يعصمهما. وعلى قمّته قلعة منيعة تحيط بها جدر من الغابات حيث ضواري الوحوش. وتخنس في أحراشها الأفاعي والهوام.
بحث الفارس عن الحبيبة وأعياه البحث دون جدوى. سأل السماء والسحاب والنجوم والقمر. سأل الشمس والشجر، سأل التراب والحجر. سأل البشر... ولا جواب.
أربعة فصول لا يكلّ ولا يملّ، لم يبرح ظهرً حصانه سرجُه. والشوق مهماز والرجاء ركاب.
ويوما، والفارس بترحاله لا يني، استبد به الحزن وأنهكه وحصانه التعب وكاد يغلب منه اليأس الرجاء، آوى إلى شجرة يسند ظهره إلى جذعها ويستظلّ بفيئها ينشد بعض راحة لجسد فتيّ أضناه تعب قلب معنّى. غلبه الشجن فأسال منه دمعا رذاذ خريف يبلّل ظامئات العروق والجذور.
سمعت الشجرة ورأت. ورقّت فبكت. تناثرت الأوراق صفرا وحمرا. وكانت الشّجرة شهدت في ما مضى الساحر يمرّ يسحب الأميرة الأسيرة وأوجعت سمعها صرخات استغاثتها. رغبت الشجرة الشاهدة أن ترشد الفارس إلى مأسر الحبيبة. فرقت من الساحر الباطش. فراحت تدندن لحنا يثير الشجون يفهمه العشاق يلتقطون إيحاءاته ويفكون رموزه ولا يفقهه شرار السّحرة يبغون ما لا يملكون. أصغى الفارس العاشق فوعى. عرف المكان وطار به الحصان بين الأرض والسّماء. بلغ بغيته وخلّص أميرته وكان الوقت ربيعا...
ابتسمت الشجرة لمرأى العاشقين وضحكت لفرحهما زهورا غضّة وأهدتهما وعدا بثمر لصيفهما وظلاّ ظليلا. وصفا عيش الفارس والأميرة. والشجرة جذلى والطيور حداة.
لذلك، أحبّتي، تذكر الأشجار الفراق كل عام فتدمع أوراقا وترهب بطش الساحر ليل الشتاء الطويل فتطرق حالمة. ثم تشهد اللقاء فتزهر وعدا بالثمار كل صيف..."
يومها ونحن نسير على طرف الغاب الجميل عرفت أن الأشجار يمكن أن تضحك...
في اليوم الموالى أهديتني بطاقة كتبت على ظهرها: "سرنا نطلب الشمس والدفء..." وكلام جميل...
تحميل ..