محمد آيت علو @MOHAMED_AIT_ALLOU

2021-11-19 09:05:38 للعموم

محمد آيت علو حينَ لاتَعْكسُ المرآةُ شيئا..

  أحقا!لم يتعلم الإنسان كيف يضحك، إلا حين إخترعَ المرآة..؟!

وهو يتحسس المنشفة المنزوية جانبا، تلمَّسها وهو يُـفْركُ عينَـيه بالصابون، ويَسْتَـعرضُ حُـلمه المُزْعِج، والذي لايجِـدُ لـه تفسيراً، ماهذه الوجُـوه؟ وهذه الورود التي لارائحة لها؟ وما تفسير هذا الـدَّم الأسوَد الذي رآه في الحلم..؟ وما دلالة الأسنان المتآكلة وهو يراها تتساقط من فمه اتباعا وتحل محلها أسنان جديدة بيضاء لامعة..؟ ليتـأمـل بعدها المرآة وتساءل، من اخْتَرعَ المرآة؟ أيكون نرجسيا أوربما إخترعها ليتشفى من الذين يتَهَـرَّبُـون من رؤيَـة وُجوهِهِم فيها؟ إذا كانت المرايا تفضحكم، فماذا ستصنعون؟ إبتسمَ، تقَدَّم قليلاً... يتأمل في المِرآة، لكنها لم تعكِسْ شيئا، أو لم تُـرد أن تعكِـسَ أي شـيء على الإطلاق بعد الآن.......ينظرُ إلى مرآته المحطَّـمة إلى أجزاء، مثل قلبِـهِ المتصدَّع، منها المقوَّسُ والمثلثُ والمستطيل، ومنها مالاشَكْـل له، على طُـول هذا المستطيل الزُّجاجي الملْـتَصق بإطار من الخشب العتيق تمتَدُّ ملامح وجهه الباهت المجزء إلى قِطَعٍ مُـشَوَّهة، تتفرد بخصوصيتها، منها ما يعكسُ وجها له أنفان وعين واحدة، ومنها ما يعكس وجها بفـمٍ كبير فوقه ثلاثة عيون بحاجب واحدٍ خفيفِ الشعر، ويستَمِرُّ التَّـشكيل العَجِـيب لوجوه متـنوعة ومختلفـة تعكسها، وتأبى على أن تَـعكِس صورته الحقيقية، وكيف بها أن تحقق ذلك؟ وأنَّى له ذلك ؟ وهو لم يستطع أن يحدد ملامح صورته الحقـيقـية إطلاقا..!! فكُلَّما أراد أن يقدم الصورة التي يعتقد فيها للآخرين، يجد نفسه أمامهم بصور أخرى متعددة بتعدُّدِهم، يُكَـوِّنُونها عنه في التَّـعامل معه، فضلا عن صورته الطَّـبيعية التي هيَ لَـه، أو الَّـتِي يتصورها عن نفسه فيتيه، أثارتْـهُ لعـبة التَّـشْوِيه هَـاتِـه، أزاح وجْـهَه مِن على المرآة، ووضع بدلها يَده، فتعدَّدت الأيادي، أزال يَـدَه مِـنْ جديد..ثم إقترب إلى المرآة ورسَمَ بأصابعه أمواجاً فوق الزجاج المكْسُورِبِحَذر، ثمَّ امْـتَدَّتْ أنَـامِلُـه إلى شـظـية على شكل مثـلث، ودون تَردُّد...، نَـزعَها من الطرف الحَـادعلى الملصق بالإطار الخشبي، أحَـسَّ بتفاهَـتِه وضعفـه على الرغم من قوة بنيته، شعر بهشاشته ولم يقْوَ على مسايرة شيطانه، تأملها كما لو أنه يهـم بشيء خـطير حين قَـرَّب يَـده من عنقه ! ثُمَّ وكأنَّهُ يخاطبها أويسألها...، بماذا أحسست؟ والبريقُ الغريب في عينيه! لاتسخري مني...! لوصارحتك بالحقيقة فستَسْخرين أنت مني......!؟ ولن أقوى......أَأَخْسَرُ الدُّنيا والدِّين؟ وهُوَ سَاهٍ في هواجِسِه، تساءل كيف يجرؤُ هؤلاء الذين يضَعُون حداًّ لحَياتهم دونَ رادع أوخوف من الله، بِمَ سيَحْتَجُّون...؟وبمَ سيُبَرِّرُون...؟ وهُوَ سَاهٍ ، لم ينتبه إلى الخُدُوش والدم على أنامله والتي أحدثَتْها الشظية الحادَّة...ولم يكبح جماح فَـوْرَة الدَّم والجُنون الذي أَلَمَّ به فجأة، كمن أُصيبَ بلوثَةٍ جُنونِية، جعلته يفـقد صبره ويجمع قبضته في لَكْمَةٍ صَوَّبها إلى وجهِهِ في المرآة، فسقَط صحبة أجزائه وأشلائه فتلاشى الوعي للحظات طـويلة..، ولما أفاق من غيبوبته، امتزج توجُّسُه بحيرته، فلم يتذكرشيئا، فقـد تفاقمت معاناته أمام المرآة، مثل وضعية المِرآة المكسَّرة أمامه، والتي لم يتبقَّ منها إلاَّ الجزء السُّفلي والإطـار...! وتلمس وجْـهَه أمام المـرآة فرأى وجها مجزَّءاً شاحِـباً، وفي صورة الهذيان الجميل يُطل إليه منه، أهذا الذي أراه حقا وجهي؟ الوجه الذي تراه، ليس وجهـا لأنك تراه، وجـه هـو لأنه يراك، إبتسم باستسلام، لمـسه بأطراف أصابعه ليحـدده بلا تعـدد، وليلْمَس التَّجاعيد الدقيقة الجديدة عند طرفي عينيه، ويرى الشـيب الذي يتسلَّلُ إلى شعره ويكتَنِفُه من خلال لحيته وذقنه، لماذا تَبدو هرِماً كالخريف؟ ألأنَّ في داخلك أوراقا صفراء جافة يحولها قلبك المتقد ثلجا إلى رماد..؟ إبتسم لوجههِ مخاطبا إياه: لم لاتتصالح مع ذاتك..؟ في هذه الأثناء بدا له وجه غير الذي يعرف، ثم صاح هذا ليس وجهي....؟! ماهذه الكسور؟ هذا ليس وجهي....؟ كاد عقْلُه يزيغُ، يـطيرُ،كاد أن يتشتت مثل صورته...صورة وجهِه التي يحملُـها ويَعتَـقِد فيها، صاح،كَرَّر الصياح، لكـن لم يسمع صدى لصوته، عـاد لوجهِـه تحسَّسه بكَـفَّي يَديْه، أحـس حجمه نظر لكفيه وجدهُـما مملوءتين بالدم، دم يميل للسَّواد، مـثل الورود الـتي رآهـا في الحلم؛ تحسَّسَ وجهه مرات ومرات، حتى تضاءل أولم يَعُـد موجوداً، الجَسَدُ بلا رأس، ليس شيئا ولكن حين لا تعكس المرآة شيئا؟ كَـرَّرَ الصيَّاح لَم يؤمن بأنه لاَ شيء، تساءل:ـ هذا ليس وجهـي..؟ والمغسلة أَتصيرُ مقصلة..؟وجـ..هـ...؟ هـو الَّذي يُصِرُّ على أنه شيء، خرج من المغسلة واتَّجَـهَ نحـو الأريكـة في الصالة المعتمة، فالشبابيك مازالت مغلقة، هوى على الأريكة كالجِـذْعِ المنخور، أحس بخدر يتوغل حتى العـظم، ما جـدوى أن أحرق أعْصَابي؟

كمن كانَ يبحثُ عن نفسه قليلا، فلم يَجِدْها إلا ناقصةً مُشَـوَّهةً، ومُجَزَّأةً، فتَـلاشى في ظلام االسَّواد، وفي شَـفاف الـمرآة، وضاعَ في غَـمْرَة الازدِحام بين الوجوه، وصاحَ أين وجهـي؟ أين وجهي؟ ثم صاح مرةً اُخرى بأعلى صوت رُدُّوا إلَيَّ وجهي، رُدُّوا إليَّ وجهي...، ثم شرع في الرقص بهستيريا فائقة والضحك طويلا...ثم هدأ قليلا لِيُقَدِّم رِجْلاً، ويُؤَخِّر أخرى نحو المرآة.

قبلَ بضعة أيام، كان له جارٌ يُقِيم بجانبه بنفس المصحة، سيطر عليه الذُّعر والكآبَةُ، فقد اندلَقَ من فمه دم مفاجيء فلطَّـخ اللِّـحْيَة والمـلابس والسـرير...، قَـبل أن يقْـضِي نَحْبَه، وها هُـو وَحْـدَهُ يجد نفسه أمـام رجال بِبِذَلِـهِم البيضاء يبتسمــــونَ لَـه، وهو مُسْتَلْـقٍ على سرير طويل، ينظرُ إليهم كالأبله، تقَـدَّمَ أحـدهم وقال:ـ لقد تعافـيت ! فمَدَّ لسانه نَحْوَهُم عابـثاً، وهُـمْ يَضْحَكون.

تحميل ..