هشام الغالي @iHicham

2020-01-26 15:20:38 منشور معدل للعموم

عن الحبة، التي أرادت أن تصير حقلاً..

عن خيبة الحَبّة، أتحدث .. تلك التى أرادت أن تصير حقلا .. عن عمال المعامل الذين ودوا وهم أطفال أن يكونوا مهندسين وأطباء، وربابنة للطائرات..عن زهر الربيع على أعتاب الصيف أتحدث.. عن الطحالب على أسنان الغريق الذي لم تقبل به أي من أرض الله، وحدها أعماق البحر وهبته ضمتها الأبدية .. عن دمعة الأم التي تودع إبنا راحلا، لا يجيد السباحة، إلى الضفة الأخرى.. عن غصة أب يضم طفله كآخر المراسيم، عن نظرته إليه وهو يجترح خطواً متثاقلاً نحو الباب .. لا يريده أن يرحل..

الحافلة التي مرت للتو كانت ممتلئة عن آخرها.. جل السحنات سمراء وسوداء.. جل اللغات شرقية أو قادمة من أعماق ما جنوب الصحراء.. الساعة تشير إلى الثانية زوالا، أنا متأخر كالعادة، دون أية رغبة في الإلتحاق بعالم من المجانين، مجازاً وحقيقةً أيضا ..

لابد لهذه "الرمانة أن تنفجر"، قلت لنفسي بينما أرتشف قهوتي "المابعد" الزوالية ببطئ آملا في الإستيقاظ من أجل ظهيرة أخرى ثم مساء من الجري اللاينتهي في الأنفاق، خلف القطارات والحافلات ..

ماذا أفعل هنا؟ أمن أجل هذا كان كل ذاك؟ ..

تمر الحافلات والقطارات الكئيبة الواحدة تلو الأخرى دون أن تكتفي من المسافرين، الراكضين على عجل في كل الإتجاهات.. تسألني سائحة بملامح آسيوية عن القطار المؤدي الى "ديزني لاند"، أدلها بلطف ثم أنحني لتصفح المقالات على هاتفي : "العدمية بين نيتشه وشوبنهاور" .. تباًّ، وما شأني أنا؟ ، لكني أكمل القراءة فقط من أجل أن أنسى.. أن أنسى نفسي وكل الخوانين حولي .. ثم هذا العالم المتعفن الذي وضعتني فيه ذات مساء مشؤوم، تحت قوس الدفاع الكبير.. كنت أحمقاً، لا زلت أحمقاً بالتأكيد ..

أَنظُر إلى ألبوم الصور، فأبتسم، وتسري في عروقي لوثة الحياة مرة أخرى : على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. على هذه الأرض قمري الصغير ونجمتان لازالتا ساطعتين بنور الحب الخالص، اللامشروط، اللاينتهي ..

لا أحد يمسك ظله، لا أحد يقفز فوق ظله .. أقف على حافة العالم وأهذي : ما الحب، ما الخيانة، ما الخيبة ؟ .. لا أدري ..

الزمن يسير بثبات، في اتجاه واحد ..ثم لا شيء يعود إلى الوراء، باستثناء الذكرى والحنين .. الحنين إلى ماض من خبز الطمأنينة، المحلى بالحب الحقيقي..

ها أنت تقف الآن، على نفس القنطرة، تحت نفس السماء .. لكن كل شيء تغير.. لا شيء يشبه شيئا مما مضى.. مياه، مياه، مياه.. تجري بلا توقف تحت الجسر .. والجسر كما هو، لا يتزحح عن مكانه أبدا .. أنغام رقصة زوربا تتردد في خاطرك.. ماذا لو تخلينا عن كل هذا ؟ ماذا لو أرحنا أنفسنا ما هذا السفر الطويل، سفر التعب اللاينتهي ؟ .. ماذا لو وضعنا عنا تلك الأثقال التي قصمت ظهرنا طويلا .. ما الذي يمكن أن يحدث أسوأ مما حدث بالفعل !؟ .. وحتى إن كان فعلا أسوأ من كل ماسبق، أليس من الأفضل أن نستثمر ما تبقى لنا من أيام معدودات في النسيان!؟ نسيان كل الحثالات التي فتحنا لها بابنا وقلوبنا ذات يوم!؟.. من أجل الحياة مرة أخرى، ولو للحظة .. قبل أن تحكم النواميس بكلمتها الأخيرة ..

كنت أحمقاً، لا زلت أحمقاً.. بالتأكيد .. 

تحميل ..