عبدالإله الشافعي @abdelilah-chafai

2020-01-17 12:15:18 للعموم

بين أوهام صنعتنا و أوهام صنعناها....

مع تطور التكنولوجيا و تأخر 'العقولوجيا' بسرعة خيالية في كلا الإتجاهين، أصبح الإنسان يفقد فطرته الطبيعية التي وُلد عليها و في المقابل أصبح بنو البشر يعيش بين واقع حقيقي معاش بإيجاباته و سلبياته و واقع افتراضي يغلب عليه طابع الخيال و الذاتية، فأصبح الإنسان يعيش بين عالمين أو كوكبين متعاكسين، فالمرء قد يظهر بشخصيتين مغايرتين تماما بين العالمين الذي يسيطر عليه في التصرفات العالم الإفتراضي، فهما في الأخير انعكاس للشخصية العميقة في الإنسان أو ما يسمى في عالم السياسة بالدولة العميقة في الإنسان فأصبح يعيش بين حكومتين حكومة كرطونية و حكومة افتراضية خلف الستار تلعب دور آلة التحكم عن بعد، وعلى سبيل المثال شخص خجول في الواقع و جريئ في الإفتراض فتراه قد يلقي عليك التحية افتراضيا بكل أريحية لكن في الواقع لا يستطيع حتى أن ينظر إليك خجلا، هذا نموذج بسيط لمعادلات مركبة تتحكم فيه متغيرات وهمية، و الغريب في الأمر أحيانا هو هذا التفاعل الكبير بين هذين العالمين عبر ذواتنا بأشكال متنوعة و مختلفة عن بعضها شكلا و مضمونا.

و من زاوية أخرى قد يبدو أن رداءة الواقع المعاش في عمقه جعل من هذا الواقع الإفتراضي متنفسا لكثير من الاحباطات والعقد و الأوهام كذلك، و بالملاحظة اليومية و البسيطة منذ أكثر من عشر سنوات الكثير من الناس وجدوا فيه منبرا و فضاءا لصوت مقموع و غير مسموع ليس من طرف السلطات وحدها، بل من المحيط كله خاصة في مجتمع محصور في دولة تفتقر لمؤسسات اجتماعية قريبة من أفراد المجتمع الواحد باحتضانهم و رعايتهم و الإستماع إليهم عبر شبكة علاقات محاصرة للكلمة و الفعل الإبداعي من زاوية اللامألوف أو المألوف كذلك في مواضع كثيرة، دون نسيان صنف كثير يسكن في هذا العالم لغايات ناتجة عن العلاقة المأزومة بين الجنسين التي وجدت مساحة تعبر فيها عن نفسها بعيدا عن أعين المراقبة البشرية في الشوارع و الأزقة رغم أن هذا الأمر لم يعد عيبا في دولة بدون هوية و عند أشخاص لا يكترثوا للمراقبة الإلهية بالإضافة كذلك لصنف عرف لنفسه غاية المال و سبل الربح و هي السائدة حاليا، فاستغلوها للترويج لبضائعهم و هوايتهم بداية من الفديوهات التي تروج للفكاهة من الهادفة ومنها التافهة كسابقاتها تماما و ما أكثر الإنتاجات السخيفة.

رغم أن كل ذلك قد يبدو طبيعيا إلا أن مقارنة صفحاتنا الزرقاء بصفحات غيرنا من الأمم يعكس الاختلاف في الأمزجة والعقول والنفسيات المتقلبة و المتغيرة التي كانت قديما محصورة بين الجدران الأربعة أو بجانب شجيرات قريبة من المنزل أو خلق متنفس بجانب شاطئ البحر حتى ترجع الأمور كما كانت كأن شيئا لم يكن ، أما الآن فأصبح العالم الإفتراضي يرصد كل التحركات و التصرفات مهمة كانت أو تافهة ، فمن روادها من لا يستطيع أكل التفاحة حتى يصورها من كل جانب ، بل منهم من ذهب أكثر فلم يتبقى إلا أن يسجل حضوره في اليومي في بيت الراحة ، فأصبحت نسبة كبيرة تحمل في نفسيتها كمية كثيرة من العقد التي لن يستطيع تحليلها و تفصيلها إلا أصحاب التخصص إلا الملاحظ منها بالعين المجردة التي لا تحتاج إلا القليل من التفكير و التحليل.

بل بلغ الأمر بالبعض أن يرتدي العديد من الأقنعة والوجوه ليلقى القبول فيما حبس نفسه فيه من المجموعات الوهمية التي ينتمي اليها ... فتراه يلبس قناع الظرف والاتيكيت ليثير اعجاب الجنس الآخر ... أو قناع الإضحاك عبر ترولات جاهلة ليقال أنه شخص جريئ في حين أنه تجل من تجليات الوقاحة ... أو قناع التخصص ومعرفة حلول الأزمات وكتابة الوصفات لمشاكل الدولة لعله يثير اعجاب مسؤول ليعينه مستشارا لديه ... أما الأدهى و الأمر فأولئك الذين يرتدون قناع الوطنية والدين لتسويق أنفسهم كخيارات سياسية أو دينية منهم سلاحف العياشة و مريدي شيوخ السلاطين.

كل ذلك انما هو من تجليات الفراغ الروحي والعقلي وغياب النضج والاستقرار في مجتمعات أدمنت القلق وتعيش في هلع حقيقي تحاول إخفاءه باصناع معارك وهمية هنا وهناك ليفدوا الجهل هو المسيطر و التفاهة و السفاهة هي المتحكمة في عقول تخلفت لقرون من الزمن.

عبدالإله الشافعي

تحميل ..
Ahmed Monir El Rabbat @AH-1954
نحن نعيش فى عالم افتراضى اكثر منه واقعى - او يمكن اطلاق عنوان الجهل المدار - اى ان الجهل يدار من جان... أظهر الكل ..
2020-01-22 18:09:24 1
عبد الحليم @halim_b
إنه الجهل في أرقى صوره أستاذي الفاضل .. كما قلتَ نحن نحب أن نعيش الخيال أحيانا هروبا من الواقع البغي... أظهر الكل ..
2020-03-14 13:35:57