د. عبد المجيد قاسم @mageed

2019-11-09 20:21:27 للعموم

المداراة ورياح التغيير

أسوأ الأوضاع أن يعيش الإنسان عيشتين، إحداهما بينه وبين قناعاته التي لا يستطيع إظهارها، والأخرى بينه وبين الناس مظهرًا لهم ما يريدون!

الأمر يدور بين وصفين، أحدهما موجع، وهو النفاق، والآخر أقل وقعًا، وهو المداراة، فكلاهما يعنيان أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، والفرق في كون المنافق يبطن السوء، ويظهر خلافه، والمداري، يبطن أفضل مما يظهر، هو يبطن قناعاته التي يراها أحق مما هو مضطر على الموافقة عليه من آراء غيره، فما يمنعه ليس سوى حالة من عدم الاستعداد، قد يتخطاها إذا قرر الهجرة، وإلا فالدخول في معركة مع الأكثرية تحتاج إلى استعداد، وشجاعة. 

الأمر كذلك في كثير من أمورنا، عاداتنا، تقاليدنا، حكمنا على الأشياء، موروثاتنا بما فيها معتقادتنا، لذا فالأنبياء عندما يرسلهم الله يكون الأمر بالنسبة إليهم، وإلى أتباعهم أشبه بثورة، وقد تتحول إلى معركة كما حدث مع النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، هذه المعركة التي ضحى فيها المؤمنون بالتغيير بأرواحهم، وأموالهم.

إن الأمر بالنسبة إلى المعاصرين لعلمية التغيير قد يبدو جللاً، وقد يبدو كنهاية العالم، وقد يصل بهم إلى درجة من التعاسة، واليأس فيجابه بعضهم الموجة، لتأخذه كما أخذت أبا جهل، وأبا لهب، وكما أخذت من أعدمتهم الثورات، ومن ألقت بهم رياح التغيير في مهاوي التهميش، والانزواء، لكنه بالنسبة إلى من يأتي بعدهم حتيمة تاريخية لولالها لما كانوا على ما هم عليه.

إن فهم ديناميكية سياسة الدفع وطبيعتها، تلك التي أشار إليها القرآن الكريم، من شأنه أن يخفف من وطأة الأحداث الجسام على المعاصرين، ومن شأنه كذلك أن يوجه رياح التغيير بما يقلل الخسائر قدر الإمكان، والأمر ربما يقودنا إلى إعادة ما بدأنا به، وهو صعوبة إذاعة الفهم المبني على سلامة الاستنتاج، طالما أن الأفهام قد توجهت إلى التبرير والانتصار للرأي، فالأمر قد يقود إذن إما إلى الهجرة، أو الدخول في معركة أو معارك جانبية، أو المداراة.

تحميل ..