صلاح الدين السرسي @Dr-Ssersy

2019-08-31 15:21:24 للعموم

الهجرة النبوية والدلالات الغائبة

الهجرة النبوية

والدلالات الغائبة

د. صلاح الدين السرسى

في احتفائنا بذكرى الهجرة كثيرًا ما نبرز الوقائع التي تشير الى الإعجاز، أو خرق العادة والقوانين الطبيعية لنستدل منها على رعاية المولى عز وجل لرسوله، وحمايته من الهلاك أو من شر الأعداء، وكأننا بحاجة الى تأكيد هذا، ولم نكتف بالمعجزة الخالدة ألا وهي القرآن الكريم، الكتاب المعجز بكل ما تعنيه اللفظة من معنى.

لقد بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ووعده بالنصر والتأييد، وكان تأييده تعالى لرسوله بأمور كثيرة منها المعجزات والتي هي خوارق العادات، فقد وقعت له معجزات كثيرة، ومنها ما كان على طريق الهجرة، وهو ما سنعرض له في هذه المقالة.

رغم أن هناك العديد من المعجزات التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، والتي رواها صاحبه في هذه الرحلة المباركة الصديق رضي الله عنه فإن الواقع أن الأمر الأكثر أهمية لنا كمسلمين في هذا العالم وفى هذا العصر هو التخطيط المحكم للرحلة والتدبير الرائع لها من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الفكر والمنهج في مواجهة الواقع والأمور هو الأهم بالنسبة لنا.

ولنبدأ الوقائع منذ لحظة التفكير في الهجرة.

ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها‏: ‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر‏: ‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر‏: ‏ فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر‏. ‏

قالت‏: ‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏، فاستأذن فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏: ‏ ‏ [‏أخرج مَنْ عندك]‏‏. ‏ فقال أبو بكر‏: ‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله ‏. ‏ قال‏: ‏ ‏ [‏فأني قد أذن لي في الخروج‏] ‏، فقال أبو بكر‏: ‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ‏؟ ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏ ‏[‏نعم‏] ‏‏. ‏

ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجيء الليل‏. ‏ وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏. ‏ وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏. ‏

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م‏. ‏ وأتى إلى دار رفيقه ـ وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله ـ أبي بكر رضي الله عنه‏. ‏ ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏. ‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.‏

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏[‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده‏.‏

وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏ وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و ‏[‏كان‏]‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء...يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة‏. ‏

وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثي، وكان هاديًا خِرِّيتًا ـ ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين ـ غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر سنة 622م ـ جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت‏:‏ بأبي أنت يا رسول الله ، خذ إحدى راحلتي هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن‏.‏ وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا(رباطاً)، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت‏:‏ ذات النطاقين‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل ـ عبد الله بن أريقط ـ على طريق السواحل‏. ‏

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا‏. ‏

وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق، بداية من مغادرتهما للغار وحتى وصلا قُباء‏.‏

ونجد ان أكثر من تحدث عن الهجرة ركز الانتباه على الأحداث الخارقة للطبيعة باعتبارها هي الأصل ، بينما لو تأملنا قليلاً لوجدنا العكس هو الصحيح ، فالله جل في علاه لم يشأ أن يجعل الأحداث الخارقة هي التي حققت هذا الأداء الرائع ، والوصول الى الهدف بنجاح منقطع النظير ، لو أراد الله هذا لأسرى به ، كما أسرى به الى المسجد الأقصى، كما أنه حينما اختفى هو وصاحبه في الغار لم تعشش عليه العنكبوت ولم تقع الحمامة علي غصن شجرة على باب الغار ، فهذا أمر لا صحة له ، ولا فيه آية ولا حديث يروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الله سبحانه وتعالى أعمى أبصارهم عنهما فقد قال أبو بكر : [ يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا] لأنه لا يوجد مانع، فالعنكبوت والحمامة لا صحة لذكرهما عند اختفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور.

وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبر نزول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخيمة أم معبد بقديد طالبين القرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها إلا شاة هزيلة لا تدرّ لبناً، فأخذ الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله، وحلب في إناء حتى علت الرغوة، وشرب الجميع، ولكن هذه الرواية طرقها ما بين ضعيفة وواهية. إلا طريقاً واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها (لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله مالنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبه -فما تلك الشاة؟ فأتى بها. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة عليها، ثم حلب عسّاً فسقاه، ثم شربوا، فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم ليقولون. قال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك. قال: لا حتى تسمع أناّ قد ظهرنا. فاتّبعه بعد). وهذا الخبر فيه معجزة حسية للرسول صلى الله عليه وسلم شاهدها أبو معبد فأسلم.

والحقيقة أن الله لو شاء أن يطعمه لأنزل عليه مائدة من السماء كما فعل مع عيسى وحوارييه، لكن الله أراد أن نأخذ بالأسباب وأن نجد ونجتهد فجعل الرسول لنا مثلاً في هذا وحسن المثل، في حسن التدبير، ودقة التخطيط، وحكمة التنفيذ، لأن الله جعله يأخذ بالأسباب، وقد أتقن وأحكم وجود استغلال هذه الأسباب، فوفقه الله وأعلى شأنه وشأن دينه. واذا نحن اقتدينا بهذه العبقرية الإلهية التي وضعها الله في عقل الرسول ( صلعم) لحققنا الكثير ، كما حقق الصحابة ، والسلف الصالح الذين فهموا الرسالة ، وتتلمذوا على أستاذ الدنيا والآخرة ، فكانوا فخر للدنيا ، ومأثرة للعالم ، وعلينا أن نعى هذا جيدًا ، فلم يشأ الرسول أن تكون الهجرة أمر غير مألوف لنا ، وأن تقوم السماء به بمعجزة خارقة ، وهى ميسرة للغاية، كما أتى من عنده علم من الكتاب بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان عليه السلام.

قصة سراقة بن معبد:

أما سراقة فقد ذكر في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، ولا شك أن قراءة الرسول لآيات الذكر الحكيم هي التي أثرت في سراقة، كيف لا وقد أثرت فيمن كان أشد منه بأسًا، وأعظم قوة، عمر بن الخطاب من قبل، فبدلا من سعيه لقتلهما عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً، وأن وصيته كانت: أخف عنا.

وقد احتاط الاثنان في الكلام مع الناس الذين يقابلونهم في الطريق، فإذا سئل أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. وقد صح أن الدليل أخذ بهم طريق السواحل. ولم يأخذ الطريق المعتاد. وعلينا أن نوجه الاهتمام إلى حسن تدبير النبي عليه الصلاة والسلام وعبقرية تخطيطه للهجرة لأن هذا التدبير والتخطيط هو ما نستطيع فعله كبشر، بعد أن انقطع الوحي بانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وأن نستلهم النموذج والقدوة فكرًا وتخطيطًا، وحسن رؤية، وعبقرية هي فعلاً الوجه الخارق الذي أراد الله به أن ينتصر للحق ويعلى كلمته.

تحميل ..