اسلام الحاج ساسي @islam_haj_sassy

2019-08-25 16:03:04 منشور معدل للعموم

أروقة آسنة

أصبح المكان مألوفا منذ أسابيع، رواق طويل يؤدي إلى أروقة أخرى متفرعة عنه كمتاهة بلا نهاية. لم تعد تنتظر امتداد تلك اليد المرتعشة الباردة كي تقودها إلى الغرفة المنشودة. أصبح المكان مألوفا لكنّه مازال يوحي بالوحشة و بالبرود. الحيطان باهتة و الوجوه شاحبة و الصمت شبه مطبق إلا من همهمات و من أحاديث جانبية لا تفهمها. بأي لغة يتحدثون ؟ هل أثر جو المكان على قدرتهم على النطق حتى أصبحت الحروف مدغمة و الكلمات مختصرة لكنها و لغرابة الأمر مفهومة فيما بينهم.

اليد ككل مرة مقبضة الإحكام على أصابعها الرقيقة الهشّة. تيار لا يوحي بالارتياح يسري بين الأصابع المتشابكة، تيار شائك يجعل أطرافها مقشعرّة و قلبها متأهبا لتلقي خبر صادم. كلما تقدمت في تلك الشبكة من الأروقة كلّما اعتصرت تلك اليد يدها الصغيرة المتيبسة. الرائحة خانقة، لا نوافذ هنا، الجو آسن خانق بروائح العقاقير العابثة بالحواس و المثيرة للدوار. لعلّ الهامسين هنا بين الحين و الآخر قد اعتادوا الأمر بل على الأرجح قد أدمنوا هذه الروائح حتى غدت نسائم الفجر النقيّة مزعجة لأنوفهم.

الباب المصفّر بمفعول الزمن و نائبات الدهر، و الصرير الخافت كان يؤذن ككل مرة ببدء المرثيّة اليومية التي لم تدرك فحواها إلا بعد سنوات طويلة. تفلت يدها تاركة إياها عند مدخل الغرفة الكئيبة. هناك في ذلك القبر البارد رغم ارتفاع درجة الحرارة في الرواق و عمل المدفأة الدؤوب في ذلك الشتاء الضارب في القدم، قدم ذاكرتها المتآكلة، هناك في ذلك المكعّب الضيق، سرير بملاءة بيضاء و طفل نائم، طفل في الثانية من عمره، بشعر أشقر ناعم و عينين رماديتين. طفل قدّر له أن يمضي نصف عمره على ذلك السرير و الأنابيب تنهش روحه و جسده الهزيل كل ساعة، الأنابيب و الخيوط المتشابكة تنبعث من زجاجات غريبة الشكل مليئة بسوائل بألوان منفرّة.

اليد المرتعشة تقترب بدفء نحو موضع نومه، تسوّي الوسادة التي بالكاد تظهر، تلامس جبهته المتلبدة، ينحني جسدها الرقيق ليطبع قبلة بالكاد تلامس بشرته، تبقى واقفة لدقائق طويلة. الهمهمات في الرواق متواصلة لكنها انفصلت مكانيا و زمانيا عن الفقاعة التي لفّت الطفل و صاحبة اليد المرتعشة و الطفلة الواجمة المتأملة للمشهد المتكرر كل يوم دون أن تعي مسبباته و لا الجدوى من إعادة مشاهدته في كل مرّة بنفس الرهبة و بنفس الشعور الغامض الكئيب. تتقدم لخطوات إلى الأمام، تمسك بالأنامل المرتعشة، هذه المرّة بدت يدها رطبة، لعلّها تعرّقت أو لعلّها رواسب لعبرات جاهدت صاحبتها لإخفائها.

تنتهي الطقوس المعتادة ككلّ مرّة بابتسامة مشفوعة بتنهّد طويل و كأنّ روحها قد انفلتت منها. تحكم الإمساك بيدها الصغيرة بعد إلقاء نظرة أخيرة على الجسد النحيل المسجّى في شبكة الخيوط اللعينة. و تبدأ رحلة العودة عبر الأروقة المتعرّجة، إلى أن ترتخي و تفلت يدها مجددا.. في انتظار زيارة أخرى لجناح الأطفال في ذلك المكان الذي طبع ذكريات طفولتها حتى خيّل لها أن في نهاية كل رواق غرفة مصفّرة الباب بداخلها طفولة ذبلت و وئدت على فراش متشابك الخيوط ....

إسلام 25/08/2019

تحميل ..