احمد عباس الملجمي @Abbas199062

2019-08-21 05:03:30 للعموم

عن الهروب من الذات

خلال إقامتي في الهند وماليزيا، وجدت ظاهرة سابقاً لم أكن أعرف فحوها أو ما مسبباتها ودوافعها، وهي أنني وجدت كثير من العرب يقولون لبعضهم أنهم لا يحبون أن يسكنوا في حي فيه عرب، أو يخالطوا العرب كثيراً، وجل صداقاتهم مع أجانب، وحجتهم من ذلك أن العرب مزعجون، أو بحجة التعرف على ثقافات أخرى مغايرة لثقافاتهم، وهي في الحقيقة حجة واهية، وتمييع للتوصيف الحقيقي التي تعاني منه تلك النفسيات، والدليل أنهم منكفئون على أنفسهم أشد انكفاء، متجهون نحو نمط الفردية والعزلة. لا أتكلم هنا عن العزلة التي تبحث عن الهدوء من أجل العودة، بل أراها عزلة من أجل المفارقة واللاعودة.

لا زلت أذكر أحدهم حينما جاء في زيارة إلى ماليزيا قال لي أنه لا يطيق الأكل العربي، قلت له وماذا تعمل في بلدك؟ قال على المطاعم الخارجية والوجبات السريعة. والبعض الآخر يقول لي أصبحت أجيد التعبير باللغة الإنجليزية أكثر من اللغة العربية، وظاهرة اللغة هذه لم تعد محصورة على بلدان المهجر، من خلال احتكاكي مع عائلات قادمة من الكويت وقطر والسعودية، أصبحت العائلات تمارس اللغة الإنجليزية مع الأطفال في البيوت بدلاً من اللغة العربية.

لم ينتهي الأمر هنا، انتقلت هذه الظاهرة من مجرد كراهية العيش والأكل واللغة لدى الكبار، إلى طريقة تربية لدى الصغار، أصبحت العائلات الميسورة تُنفر أبنائها من التعليم باللغة العربية، الحضانة صينية، المدرسة التي يدرس فيها الأبناء صينية أو بريطانية، اللغة التي يتم التعامل بها في البيت مع الأطفال الإنجليزية، طريقة جدول الأكلات تحول من المطبخ العربي إلى الوجبات الخفيفة والخبز الإيطالي والروتي الفرنسي.

في أحد المرات سألت صديقي ما معنى هذه الكلمة بالعربي من باب الجهل بمعناها طبعا لا من باب الاختبار، قل لي لا أحب أن أترجم إلى العربية، يكفي أن أفهمها من دون معرفة معناها، كذلك لاحظت أن الكثير من الشباب تعمل هواتفهم باللغة الإنجليزية. قلت مرة لصديقي وكان حافظ للقرآن الكريم، وهذا بنظري لا يعني شيء ولكن من باب أن اللغة العربية تعتبر مهمة كونه حافظا، لماذا لغة جوالك وكل البرامج بجوالك ولغة الكمبيوتر لديك باللغة الإنجليزية؟ قال يا أخي صعب التعامل بالعربية أحس أن فيه شيء مش صح.

قبل فترة يكلمني طالب طاجكستاني قال عجيب ما في عربي طلب صداقتي في التواصل الاجتماعي إلا وكاتب اسمه باللغة الانجليزية، لماذا لا تكتبون أسمائكم بالعربية؟ قلت له ساخراً: من أجل يكون ملائم للبرستيج وذوق العصر.

في العام 2016م في الهند قال صديقي تعمدت أن أبحث عن عمارة ليس فيها مسلمين، قلت لها يومها مازحا على أساس أنك مسيحي، قال لا بس يا أخي أشتي أخذ راحتي من ناحية، ومن ناحية قال تعاملهم تعبان.

على مستوى القراءة أيضاً، من خلال ملاحظتي للموضة التي بدأت الأن في أواسط الشباب، توجهم نحو الروايات الغربية والأجنبية، أكثر من ميلهم نحو الروايات والكتب العربية، مع أن ما يقدمه الكاتب العربي شيء يضاهي في طرحه ومستواه ما يُقدم في الغرب. بل بنظري ما يقدم حالياً في الغرب من روايات، لم يعد كما كان سابقاً، بتنا نجد روايات لا روح فيها، وذلك أن الروح منزوعة من ثقافتهم قبل أن تكون في رواياتهم، خيال بلا روح.

قبل فترة طلب مني صديقي رواية عربية ولكن بشرط أن تضاهي رواية شفرة دافنشي لدان براون، قلت له قرأت شفرة دافنشي ولم أكملها ولم أجد فيها شيء مُلفت، ولكن لك أن تقرأ موت صغير لعلوان أو حرب الكلاب الثانية لنصر الله، قال من العناوين شكلهم ما يطمئن، قلت له لو كان مكتوب عليها اسم أجنبي لوجدتها تطمئن.

حتى على مستوى الغناء وجدت الكثير من الشباب يتجهون نحو الأغنية الإنجليزية، قلت مرة لأحدهم ماذا عساك تشعر جراء سماعك هذا الصراخ والدبيج؟ قال نريد أن نتعلم اللغة الإنجليزية، يعني لن تتعلمها إلا من هذا العويل والصراخ.

بعد هذا كله والعلامات كثيرة على الهروب مما هو عربي أو إسلامي من ثقافة وأدب ومروث شعبي وفلكلور، كنت بالغالب أجد صعوبة في تفسير هذه الظاهرة. وأقول في نفسي إن ما بعد هذا الفعل إلا المغادرة واللاعودة، اليوم وأنا في خضم قراءة كتاب العودة إلى الذات للمفكر الإيراني الكبير علي شريعتي، عرفت ما هي الدوافع التي قد تجعل شخصا ما يُبدي هذا النفور والتنكر للغته وثقافته وكل ما ينسب إليه، وإن كنت أرجع ذلك النفور إلى جملة دوافع ومسببات لها علاقة بالوضع الذي تعيشه النفسية العربية والمسلمة بشكل عام، منذ ما يقارب الـــــ 50 عاماً، إلا أنه لفت انتباهي قول شريعتي وهو يتسأل: " لماذا هذا التظاهر والنفور؟ مما الخوف؟ ثم يُجيب قائلاً: إنه الخوف من نفسه، إنه ضائق بنفسه وبكل ما تنسب إليه نفسه وبكل ما يذكره أو يذكره بالانحطاط القادم منه، إنه ممتن لكل من لا يذكره بنفسه، يهرع إليه بفخر بصداقاته أو التظاهر بصداقته. فهو لا يريد أن يرى نفسه وانحطاطه في بني جلدته.

ثم يقول: هذه الذات لماذا هي منفرة بحيث أن كل ما ينتسب إليها وكل ما من ينتسب إلى ثقافتها أو ماضيها أو دينها تريد أن تتنكر منه، يرجع ذلك شريعتي إلى الهزيمة النفسية والانحطاط الذي قدم منه.

تحميل ..