اسلام الحاج ساسي @islam_haj_sassy

2019-05-19 00:31:23 منشور معدل للعموم

مرثيّة ناي ( قصة قصيرة)

صوت ناي يتسلل من تحت الباب. النغمة تئن بعذوبة تذيب الروح و تنبعث في الظلمة كنور ملائكي يتلمس طريقه نحو الأذن العطشى. صوت يكاد يرى من فرط جماله. لا يتذكر كم من الوقت مضى منذ اخر مرّة داعبت قلبه نغمات بمثل روعة ما يستمع إليه الان. اه، اه، الزمن لا يرحم و لا يترك المجال للإنسان ليلتقط أنفاسه بين الخيبة و الأخرى. وحدها الموسيقى قادرة على ملامسة الروح بمثل هذا العمق، وحدها الموسيقى قادرة على مداعبة أوتار القلب عندما يتحول العالم إلى خليّة نحل متوحش بل وكر دبابير قاتلة. الصوت ينساب كالماء في حنجرة عطشى، كنهر جار في أرض جدب. لو كان في استطاعته تمنيّ شيء في هذه اللحظة لتمنّى أن لا يتوقف عازف الناي السحريّ المجهول عن النفخ، و لو اضطر إلى إقراضه البعض من أنفاسه المتبقيّة. من الأفضل أن يقضي حتفه في مشهد درامي مماثل على أن تمتّص روحه على مهل في مرقده و يطوي الزمن و الدموع المزيّفة رئاء الناس العقود القليلة التي أمضاها كيوم مع بني البشر.

الحياة شبيهة بنهر لا ندرك له بداية لكنه مهما طال انسياب مياهه و مهما سابق عبابه الزمن فإنه سينسكب في بحر ما، في محيط ما فيصبح بدوره ماء أجاجا، جزيئات منصهرة في ذرات الملح الذائب و يتبخر جزء منه ليتحول إلى سحابة قد تمطر و قد تتلاشى كما تلاشت قبلها سحب و أنهار و أرواح كثيرة في هذا الكون الفسيح... نحن أيضا سنصبح جزء من هذه الأرض و سنتوحدّ مع التربة و ربما سنصبح سمادا عضويا لشجرة زيتون أصيلة المنبت أو شجرة لوز شامخة بأغصانها و ربما نكون بلا فائدة و تذرونا الريّاح إلى ما لانهاية..

الحياة تترنّح مع نغمات الناي الحزين، النوتات الموسيقيّة سوداء و بيضاء تتسّلى بأذنيه متماهية في كل ثانية مع ذكرى بعيدة جاهد لاستبقائها طويلا. صورة ضبابية لوجه طفلة تضحك متباهية بدميتها الشقراء الجديدة، صورة أخرى لفتاة لعلّها نفسها، تتبادل أحاديثا مرحة مع صديقاتها أمام المعهد، الفتاة أصبحت شابة الان و هاهي تركض محاولة اللحاق بحافلة شبيهة بعلبة سردين من فرط اكتظاظها، الشابّة ببطن منتفخ كبالون كرنفال بالكاد تجر ساقيها و تتأفف، تضحك مجددا مع فتاة بيدها دمية شقراء و مصاصة حمراء لعلها بنكهة الكرز أو الفراولة.. الوجهان متشابهان حدّ التماثل و الدمية الشقراء نفسها تبعث في نفسه الرغبة في الابتسام و البكاء في نفس الوقت.

صوت الناي مازال منبعثا و كأنّه أنين كائنات لامرئية تحاول التواصل مع هذا العالم عبثا، صوت يبدو أحيانا مرهميّ الأثر و أحيانا أخرى كموسيقى تأبينيّة قاسية. الظلمة ساطعة جدا، أكثر سطوعا من الشمس هذا اليوم. الرطوبة عالية و الحرارة منخفضة رغم الأغطية التي تكوّم داخلها كهرّ عليل. الأيام الأخيرةـ هكذا تبدو إذن، تمرّ و كأنّها أزل. العيون تنظر إلى اللامكان و شريط الحياة يمضي في إيقاع رتيب. لا فائدة ترجى من الانتظار و الأمل الزائف مادامت النتيجة واحدة، سيفارق وجه الطفلة و وجه الدمية و صاحبتها قريبا و ربما سيكون صوت الناي آخر صوت يصل إلى مسامعه. ذلك أفضل على الأقل من صوت النحيب و نظرات الشفقة.

ماذا بعد؟ سكون تام يملأ المكان فراغا و برودة تسري في العروق كسمّ قاتل. رأس دمية يتسلل من الباب و وجه الطفلة يغمر الغرفة نورا يطلّ.. المكان لم يعد موحشا كما كان على الأقل. لن يفارق العالم ملتحفا الظلمة و السكون. ذلك آخر ما كان يتمناه. أزيز الباب مزعج، لم يسعفه الوقت لتشحيمه و تفادي ذلك الصوت المزعج الذي كثيرا ما قطع حبال أفكاره. تقترب الفتاة من السرير في هدوء، تطبع على خدّه قبلة بطعم الكرز و تردد " ستبقى معنا صحيح، سمعت جارتنا تقول أنك ستذهب قريبا إلى مكان بعيد و أنني سأبقى و أمي وحيدتين من بعد رحيلك.. لن تذهب صحيح؟ لا أريد ذلك، سأعزف لك يوميّا على الناي الذي اشتريته لي في العيد الفارط...تحسّن عزفي كثيرا، ألم تلاحظ ذلك؟ أعلم بأنني مزعجة و بأنّ عزفي ليس جميلا لكنّه سيتحسّن، أجل سيتحسن قريبا و سترافقني إلى حفلة نهاية السنة في المدرسة.. أعلم بأنك لن تخذلني، صحيح لم تخذلني من قبل. جارتنا كاذبة، لم أحبها من قبل، كثيرا ما تضرب ابنها و تصرخ في وجهه بموجب و بدون موجب، لا يسلم منها شيء حتى قطط الشوارع الصغيرة لم تسلم من بطشها.."

كلمات عذبة كهذه، كانت في كل مرّة تعيده إلى الحياة. لكنّ الفرص المتاحة التي يمنحها لنا القدر ليست مفتوحة الأجل.. مالفائدة من التأمل و عيش اللحظة و إدعاء أبديتها مادامت اللحظة افلة و الموت ات بلا ريب؟ نيران تضطرم في رأسه و تمنعه من الإجابة. الحاضر كذبة، بل أكثر الكذبات القابلة للتصديق و المجانبة للحقيقة على الإطلاق. لا وجود لحاضر و لا وجود للحظة و للان إلا في خيالنا. الوقت الذي ندّعي العيش في كنفه ليس إلا مجرّد كذبة لا نتيقن منها إلاّ بعد فوات الأوان. في اللحظة التي تمنّى فيها تجميد اللحظة، انقضت اللحظة المقصودة بعينها و أصبحت مجرّد ماض لا أكثر. الماضي يلتهمنا  منتحلا رداء الحاضر المزعوم. و اللحظة التي نعيشها ليست أكثر من مجرّد ذكرى طازجة لم يخزّنها العقل في أرشيفه المخادع. الحياة تمّر لتصبح بدورها من الماضي و تتخذ في كلّ مرة تسميّة أخف وطأة على نفوسنا الهشّة و كي يبقى الوعد بغد أفضل قائما كلّما داهمنا قطار الزمن.. الكلمات أيضا تتلاشى في أذنه كما تلاشت حياته سلفا..

صدى الناي مازال في الغرفة، صوت رقيق يلّف روحه بسلاسة، الغرفة لم تعد مظلمة، المكان مشّع و الحرارة أصبحت معتدلة، أصبح وزنه أخف بكثير، بل لم يعد له وزن بصورة أدّق.. أهكذا هو الموت إذن، ليس بذلك السوء كما يبدو، أن تصبح بلا وزن و بأن تسبح في المكان و تختفي في الهواء، أن ترتدي رداء الإخفاء و أن تحمل في ذاكرتك الأثيرية وجه دمية شقراء و نغمة ناي...

إسلام

19/05/2019

تحميل ..
شفيق @chafik
جميل جدا
2019-05-23 01:17:28 1