د. عبد المجيد قاسم @mageed

2019-05-01 15:09:25 منشور معدل للعموم

النقاب (قصة قصيرة)

النقاب

(قصة قصيرة)

د. عبدالمجيد قاسم

كانت لدمامتها محل ازدراء البعض، وموضع شفقة البعض الآخر، وكان إخوتها الذين لم يكونوا أجمل منها لولا أنهم ذكور، و(الذكر ما يعيبه شي) في الثقافة المحلية ينعتونها بالشينة!

كانت ترى قبحها في عيون المدرسات في المدرسة، وفي عيون زميلاتها، بل وفي عيون عاملات النظافة اللواتي ربما قذفت إحداهن بتلك العبارة التي عرفت حليمة معناها مبكرًا (خلقة ربي)، أو(تستور ملايكتها)..

لم تكن تتحدث كثيًرا مع أحد، فالحديث إذا كان بصحبة واحدة أو أكثر من زميلاتها لا يتوجه إليها، والعيون إذا نظرت إليها تشيح عنها بسرعة البرق، ومقعد الدراسة لم يكن يشاطرها فيه أحد سوى من هن في مرتبة قريبة منها، وجلوسها دائما في آخر مقعد، فزميلاتها يمنعنها من الجلوس بجانبهن في المقاعد الأول.

كانت حاجياتها، وأدواتها المدرسية، وحقيبتها، أقرب إليها من البشر المحيطين بها، وكثيرا ما كانت تشعر بأن بينها وبين تلك الأشياء لغة لا يعيها سواها، وأنها أقرب إليها من غيرها.

كبرت حليمة، وشبت، وهي تضمر في نفسها لوعةً وحرقةً منعتها حتى من الوقوف أمام المرآة بسبب ما تراه في نفسها ويراه الآخرون فيها، وحتى ذاك الشاب الذي كانت تشعر بميول تجاهه، وكان يعمل بالمحل المقابل لبيتها، كان هو الآخر يهرب بنظراته عنها كلما التقت عيناها بعينيه، ولم تكن تدري أعن شعور يبادلها أياه؟ أم عن ازدراء لها؟!

لم يكن الأمر برغم وقعه عليها، يصل بها إلى درجة البكاء، لكنها كانت دائمة التفكير فيه، وكانت أحيانًا تقرر أنها لن تخرج من البيت، وفي أحيان كثيرة وهي في مرحلة الطفولة كانت تدعي المرض كي لا تذهب إلى المدرسة، وكانت أيام العطلات أفضل أيامها، ليس لأنها متعثرة في الدراسة، بل لأن المدرسة باتت سجنها الانفرادي، وهي ترى نفسها وقد أحاطت بها قضبان الإبعاد، والإقصاء.

إن الغربة التي عاشتها حليمة هي التي جعلتها في يوم من الأيام تقرر أن تضع بينها وبين المجتمع سياجًا حقيقيًا يحجب دمامتها عن أعين الناس، لقد قررت أن تحجب عن الناس ما كان يمثل لها وصمة عار، قررت أن تكون الأنثى بصوتها وهيئتها لا بوجهها وملامحها، قررت أن تغزو هذا العالم المحيط الذي طالما كانت منه في زاوية المراقب دون المشارك، فقد كان الجميع -عدا أمها- يأخذ منها خطوة إلى الخلف، ولم يكن لديها الجرأة سوى على البقاء في مكانها، أو التراجع بدورها خطوة إلى الخلف.

لقد قررت أن ترتدي بزة الغطس، لتبحر في أعماق هذا المجتمع الذي طالما كانت فيه وحيدة، مغيبة، تقف على شاطئه وغير مسموح لها بأن تمتزج بمكوناته!

في مساء اليوم الذي اتخذت فيه قرارها طلبت من أخيها الكبير (مسعود) أن يشتري لها نقابًا، كانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وقد زادها دمامة على دمامتها حب الشباب الذي غزا وجهها، ولم يكن مسعود أخوها من النوع الذي يقف عند التفاصيل، فقد كانت تطلب منه أن يشتري لها أشياء كثيرة، لم يكن يعرف حتى استعمالات بعضها، لذا أخذ النقود التي أخذتها من أمها، وذهب وعاد بالنقاب.

كان هذا النقاب بمثابة جواز سفر في رحلتها الجديدة بالجامعة، كان هو وجهها الجديد الذي سيجعل الجميع في موقف الحياد من خلقتها، وسيعطي الفرصة لباقي الأنثى التي في داخلها أن يخرج ويثبت وجوده.

وفي اليوم الذي ارتدت فيه حليمة النقاب للمرة الأولى، غمرتها ثقة وراحة لم تكن معهودة لديها، ورمقتها أمها وهي خارجة بنظرة دافئة كسيرة بقدر ما أشجت حليمة فإنها أعطتها مزيدًا من الراحة والهدوء.

مرت السنوات الأربع، وقد تملكها شعور بالثقة بنفسها، جلبه لها ذاك الحجاب الذي تختبئ وراءه، ذاك الحجاب الذي كان يمثل لها درعًا يقيها من سهام العيون التي لطلما أحرقت مهجتها، وأرقت مضجعها.

تخرجت حليمة من الجامعة، وآن الآوان لكي تخوض غمار تجربة جديدة، وزملاء جدد، وعالم جديد، ولا ضير في ذلك، ودرعها معها، يقيها من الغمز واللمز، وفي مكتب المحامي الذي تتدرب فيه كان لها أن تثبت وجودها.

لم يكن حسين زميلها في مكتب المحاماة من ذاك الصنف من الشباب الذين تستهويهم العلاقات مع الجنس الآخر، فقد كان كبير إخوته، ولا شاغل له سوى دراسته وقضاء طلبات أمه وأبيه، وقد تخرج من القانون وعمل في ذات المكتب الذي تعمل فيه حليمة.

في ردهات المحكمة، وأثناء التحضير للقضايا بالمكتب، كان لزامًا على الجميع مشاركة الآراء، وكان مكتب المحاماة أشبه بخلية نحل، يعمل فيه الجميع بجد ونشاط، فلم تكن ثمة علاقات داخل المكتب سوى علاقات العمل، ولم يكن ذاك البهرج الذي يعلو الجميلات، يسترعي الاهتمام، وإن كان يلفت الأنظار! فما كان يجعل الشخص محل اهتمام هو كم المعلومات القانونية التي يحيط بها، وما يحوزه من مبادئ وأحكام وقوانين كانوا يتلقفونها بشغف ونهم، وكانت حليمة أكثر الموجودات حضورًا للذهن، وطلبًا للمعلومة، لذا فقد باتت محط اهتمام الجميع، وبدت وكأنها مشرفة بالمكتب لا متدربة.

لقد غطى النقاب الدمامة، وظهرت الأنثى الذكية التي تستهوي الرجال شاخصة، لدرجة أن الغيرة بدأت تتسلل إلى نفوس الجميلات من زميلاتها.

كان حسين شغوفًا بعمله، وهو من نوع حليمة، يعمل بدأب، لذا لم تجد سواه لتسأل وتستشير عندما تقف أمامها معضلة قانونية، وهو الآخر كان يجد نفسه مضطرًا لاستشارتها وسؤالها بين الفينة والآخرى، ومع الوقت أصبح كل منهما مكملاً للآخر، وقد استهواه فيها هدوؤها، وانكبابها على عملها، وقلة اكتراثها بمن حولها.

مع الوقت تحولت المحكمة، وردهاتها، ومكتب المحاماة إلى واحة غنّاء بالنسبة إليهما، يرف لها قلب كل منهما في الليل، ويكون اللقاء بينهما في تلك الواحة في الصباح، وفي المساء..

كان يمنعهما الحياء عن الاتصال الدائم سوى فيما يتطلبه العمل، وكانت اللقاءات والحوارات بينهما كأنها قطرات عطر تنتشي بها نفس كل منهما، وكان بروتوكول هذا العطر أن يكون التضوع منه قطرة قطرة، ودون أن يكون بالأمر تصريح ولا تلميح، فكلاهما يحدث نفسه بما يشعر به تجاه الآخر، وكلاهما يرى أن أجمل ما في الأمر أن يظل كما هو، وكلاهما واثق في أن الآخر يعلم ما يعلم، ويشعر بما يشعر، ولا حاجة لأكثر من هذا!

كان الأمر بالنسبة إلى حسين متوقفا على قرار يتخذه للارتباط الرسمي بحليمة، وما كان حائلاً بينه وبين ذاك القرار هو إمكانياته المادية، فهو ما يزال في مستهل حياته، ومبدؤه أن التصريح بالإعجاب يعني الذهاب مباشرة إلى بيت الأسرة، والارتباط بمن يحب، لذا فقد آثر عدم التصريح ولا التلميح، ويكفي ما يشعر به من سعادة اللقاء، وحرقة الفراق.

حليمة كان الأمر بالنسبة إليها مختلفًا، فجمالها الحقيقي يقف بينه وبين ظهوره ذاك الوجه القبيح الذي دفنته بنقابها فباتت محط اهتمام وموضع غيرة ممن جمالهن مجرد قشرة تخفي قبحًا في نفوسهن.. لذا كانت ترجع إلى بيتها بنفسٍ غير تلك التي تأتي بها إلى العمل، وقد تطور الأمر إلى ما يشبه القلق، ثم الخوف، وقد بدا لكليهما أنه لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر.

لقد كان تصريح حسين بأنه يرغب في التعرف على أسرتها، بمثابة جرس إنذار لها من أن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن سرها الدفين قد بات عرضة للانكشاف، وأن عليها أن تلوذ للاختباء بين جموع الناس، عليها أن تختفي مؤقتًا لتظهر من جديد، وتخوض تجربة تطلق فيها جمالها وأنوثتها، على أن يظل هذا من وراء النقاب!

الأربعاء

1/ 5/ 2019م

تحميل ..
أظهر تعليقات أكثر ..
د. عبد المجيد قاسم @mageed
تفسير النصوص بادي الرأي من عيوب النظر، فلا علاقة للنص بفكرة النقاب (الدينية) لا من بعيد ولا من قريب،... أظهر الكل ..
2019-07-13 13:28:50
Hassan Elagouz @hassanelagouz
دائما المعضلات التي لا حلول لها تستهوي النفس وتثير فيها شجون كامنة لأن اغلبنا يشعر ان مشاكله لا حلول... أظهر الكل ..
2019-09-06 16:11:07