Walid El Astal @walidelastal

2019-04-25 15:51:51 للعموم

"لسنا شعراء.. إنّه الحبّ"

مقال كتبه الكاتب و المفكّر "عبد العزيز الكحلوت" عن ديواني الثاني. يشرّفني أن يكون إعجاب الأستاذ عبد العزيز بأشعاري قد بلغَ هذا المبلَغ.

نَصّ المقال:

**********

في ديوانه الجديد الثاني الصادر عن دار "أزمنة" عمان-الأردن، أبريل2019، الموسوم ب"لسنا شعراء.. إنّه الحبّ" يدهشنا الشاعر الشاب الموهوب "وليد الأسطل" بمجموعة من القصائد النثرية الزاخرة بالجماليات اللغوية التي تفيض على شطآن ديوانه لتجعل منها نصوصا شعرية قلَّ نظيرها في عصرنا الحديث، و تعدّ قصيدته " بعض الأحلام نساء " مثلا لما في هذا الدّيوان من درر و فرائد شعرية تسافر بالقارئ إلى مدن الأحلام البعيدة و عوالم النساء المجنوية، و تهوي به أحياناً إلى قاع الواقع المثقل بالهموم و الآلام.

في القصيدة يصوّر الشاعر الصّراع بين العقل و القلب، فالأول يختار وفق معايير ربما إجتماعية أو فيزيائية أو حتى عبثيّة فيرضى، لكنّ القلب مفرد في الحبّ لا يرضى التعدّد، فأحلامنا تنسجها قلوبنا لكن سرعان ما تغتالها عقولنا بسبب قسوة الواقع، و هو ما عبّر عنه الشاعر بقوله " يخطب أحلامه فيجدها متمنّعة، قريبةً كالموت ..بعيدةً كتوقعه ..تسمّنه بالأمل لتقدّمه وليمةً لليأس. إنّها كالمرأة، قد تفقد الرجل عقله و قد تعيده إليه، يقول الشاعر " في زمن اللاحب وَجَدَ عقلَه امرأةً فتزوّجه بعدما فقده بين أهوال امرأة ".

تحلٌق به أحلامه، ترفعه إلى عنان السماء ثم تتخلّى عنه فيهوي إلى الأرض، لا ينفعه النّدم و لا البكاء و لا الذكريات و تفاصيل الحياة، يقول الشاعر " تخلّت عنه بعدما دافع عنها بقوّة.. تخلّت عنه بعدما أفقدته القوة ..ضعيفٌ.. سلاحه الطاعة.. رفيقه الندم.. أنيسه البكاء و صغار الأشياء: غسلُهُ الصباحيّ، وجبةُ لحمٍ مقلِيّ، و هدوء بيته في حضن المساء.

قد لا تكون المرأة كل أحلام الرجل لكنها بالتأكيد جزءٌ لا يتجزّأ من حلمه الكبير، و ستبقى أيضا الشغل الشاغل لاهتمامه و لمرمى نيرانه، يقول الشاعر في نهاية القصيدة " العقل احتمال، و بعض الأحلام نساء"، قد يتّفق القارئ أو يختلف مع الشاعر و في الحالَيْن يكون هامش الإختلاف بسيطا، لأنّ المرأة ستظل مصدر سعادة الرجل أو شقائه، بل شلو روحه و بعض نفسه .

القصيدة كأخواتها الأخريات مزيج فريد من معاني الحبّ و طلاسم الفلسفة و جمال الحكمة و غموض السحر و الكهانة و صخب الصمت و الجنون، و هي أحيانا همس خافت بين الشاعر و بين هذا الكون المديد المترامي الأطراف.

إنّها قصيدة كسائر قصائد الديوان توحّدها الفكرة، و تسري في شرايينها الأماني العِذاب تارة، و مرارة الأيّام تارة أخرى، و بالرّغم من غلبة الجماليات اللغوية و الصّور الحسّية المدهشة عليها إلا أنّها لا تخلو من موسيقى مختبئة تحت عباءة الكلمات و أديم السطور، الشّيء الذي يجعلها بحقّ قصائد فريدة، جديرة بالاهتمام و النقد و القراءة .

"عبد العزيز الكحلوت"

القصيدة:

بَعْضُ الأحلامِ نِسَاء

*******************

في زَمَنِ اللّاحُبِّ وَجَدَ عَقْلَهُ امرأةً؛ فتزَوَّجَهُ

بَعْدَمَا فَقَدََهُ بَيْنَ أهوالِ امرَأَةْ..

يَلْتَقِطُ رَأْيَهُ و يقول: النِّساءُ عُمْلَةٌ زائِفَةْ.

القَلْبُ مُفْرَدٌ في الحُبِّ، لا يَرْضَى التَّعَدُّدَ،

و العَقْلُ يَرْضَى.. يقولُ لَهُ:

اِتَّخِذْ أحلامَكَ مَعي اِمرأةْ.

يَخْطِبُ أحلامَهُ؛ فَيَجِدُها مُتَمَنِّعَةْ..

قرِيبَةً كالمَوْتِ..

بعيدَةً كَتوَقُّعِهْ..

تُسَمِّنُهُ بِالأَمَلِ لِتُقَدِّمَهُ وليمَةً لِلْيَأسِ،

ثُمَّ تَفِرُّ مُمْتَطِيَةً شَبَابَهْ.

تخَلَّتْ عَنْهُ بَعْدَمَا دافعَ عنها بِقُوَّةْ..

تَخَلَّتْ عَنْهُ بَعْدَمَا أَفْقَدَتْهُ القُوَّةْ.

ضَعِيفٌ.. سِلاحُهُ الطّاعَةْ..

رَفيقُهُ النَّدَمْ..

أنِيسُهُ البُكاء، وَ صِغَارُ الأشْيَاءْ:

غُسْلُهُ الصَّبَاحِيّْ..

وَجْبَةُ لَحْمٍ مَقْلِيّْ..

وَ هُدُوء بَيْتِهِ في حُضْنِ المَسَاءْ،

وَ أشْياءٌ كَبِيرَةٌ لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا،

كَمَنْ لَمْ يَجِدْ هذهِ الأشياءْ..

فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: العَقْلُ اِحْتمَالْ، وَ بَعْضُ الأحلامِ نِسَاء.

تحميل ..