خالد بريه @khald_bryh

2019-04-07 23:49:38 للعموم

الالتفات البعيد!

في مراتٍ كثيرة، عندما أنتهي من كتابٍ ما؛ أراني أتلمَّسُ زوايا غيرَ مطروقة، هامشية ربما، وإذا سمعها مني البعض استهجنَ الفكرة التي أحاولُ أن أصنعها، أو أرسمَ ملامحها عندَ وصولي سيرًا إلى دكةِ الختام!

قرأتُ كثيرًا من الكتبِ التي أثارتْ وتثيرُ جدلًا.. أو تلكَ التي ربما لم يسمعْ أحد بها، وقفتُ على الأماكنِ الشائكة، التي طالت في ساحتها المعارك؛ لكنَّ وقوفي الطويل كان رصدًا للحالة الشعورية التي خطَّتْ تلكَ المعاني، الإنسان الذي صنعَ تلكمُ الفكرة، السُّطور التي أرادَ لها أن تعيش ولو من خلفِ ستارِ الإيهام، الحياة التي تعاركَ معها؛ والمعاركُ التي خلَّفتْه جريحًا؛ بل، والانتقام الذي تلمسه في صفحةِ الكتابِ عن حياةِ الكاتب/الجندي المنسي في مجاهلِ الزَّمن، انتقامٌ من الذَّات، والوطن، والمكان، والحظ، وانتقامٌ من تلكَ اللحظات التي أسهمت في خروجه إلى مسلاخِ الرُّوح، ومقبرةِ الياسمين!

كنتُ أتحدثُ مع صديقٍ لي عن سيرةٍ ذاتيةٍ شهيرة؛ سيئةِ السُّمعة، غاية في القبح فيما يظهرُ للآخرين، لعلَّ البعض يخجلُ من التصريحِ باسم كاتبها!

أفصحتُ له حينها عن قوةِ الكاتب، و إعجابي به، وعن تلكَ الروح التي تاهتْ، وغابت، وكادَت أن تتلاشى في حمأةِ الظلام والضياع؛ ثم الوثبة التي جعلت منه كاتبًا شغلَ الدنيا والخلائق!

حدثته عن نظراتٍ كثيرةٍ بدتْ لي من قراءةِ الكتاب.. وعن كتابٍ آخر، يحملُ ذاتَ الروح، لم يتوقع مني أن أقولَ له ذلك، وكيفَ لي أن أصفَ الظلامَ بالإشراق؟!

- لم أقل ذلكَ يا صديقي، لكني رأيتُ صنوفًا من التَّصاوير، والمواقف، والحيوات، تستدعي الانتباه، وتثيرُ الإعجاب، وتجعلكَ تقفُ على الأسبابِ الخفية التي جعلت من حياته ظلامًا يأنفُ القارئ من الاقترابِ منه.. فكيفَ به وقد عاشَ كلَّ ذلك؟!

إنها حالةٌ من فقدانِ المعنى، إنها لحظات الوقوف على حافةِ الرعب، حين يُعلَّقُ من وريده بغصنٍ نحيل، والهاوية تشدُّه إليها بنهمٍ مفزع! إنها حالة تخلصٍ من كلِّ قيدٍ قد يساعدُه على كبحِ جماحِ النفس؛ ففي تلكَ اللحظاتِ فقط، تبدأ معركته الحتمية مع الحياة، لا تعنيه خسارة أو فوز، بقدر ما يعنيه الإحساس بالانتقام، والوجود، ومصارعة العدم، وتحقيقِ انتصاراتٍ باهتة، ولو كانت في ساحةِ سرير مهترئ، مع امرأةٍ عابرة!

ما أريدُ أن أصلَ إليه؛

أنَّ قراءةَ الآخرين لا تعنيكَ كثيرًا ، وكذا حكمهم على الأشياء، فقد تُفتحُ لكَ المغاليق من وراءِ قراءةِ عملٍ فنيِّ يُنظرُ إليه أنه بائس، أو عديم الجدوى، وأحيانًا تُفتحُ لكَ الآفاق من وراءِ كاتبٍ لا يُعرف، لم تسمعْ عنه، لم يبرز كغيره، لم تتدلى صورته في الملاحقِ أو على جانبِ الشَّاشات، كاتبٌ كتبَ لكَ وحدك، وتركَ المكتوبَ طويلًا يحبو سيرًا على الأوجاع، حتى جئتَ أنت؛ كـمؤمن آل فرعون، نصرته في جوٍّ خانقٍ من النكران، والتغييب، والتهميش، فكانَ طريقَ العبور!

تحميل ..