خالد بريه @khald_bryh

2019-03-12 14:59:21 للعموم

ابن زيدون وولَّادة بنتُ المستكفي!

ابن زيدون وولَّادة بنتُ المستكفي!

يقولون:
عندما قدِمَ شاعرُ الأندلس [ابن زيدون] إلى مدينةِ قرطبة فاتحًا بجوار المعتمد ابن عباد، بعد سنواتٍ طويلةٍ من خروجه شريدًا متخفيًا، عرجَ إلى منزلِ [ولَّادة بنت المستكفي]، لم يستطعْ صبرًا عنها؛ ضجَّ قلبه بشوقٍ ثائر، وعاوَده الحنين لتلكمُ الأيام الخوالي، وقد كان بينهما (ودٌّ وغرام)، سَطَّره ابن زيدونَ في قصائده الشهيرة!

وجدَ ابن زيدونَ نفسه في منزلِ ولَّادة، وراحَ يتأمَّلُ المكانَ المثقل بمشاهدِ الذكرىٰ الآفلة، أخذُ يسترجعُ اللحظةَ المشهودة التي التقيا فيها؛ لقد ذابَ جبلُ البعد، ورفعتْ أستارُ الحجبِ بينهما، ورأى كل واحدٍ الآخرَ؛ كأنه النِّصفُ الذي أكملَ صورةَ البدر، والقَدَر الذي طالَ انتظاره، وقد كان.

وما حَملَ ابن زيدون الذهابَ إلى قرطبةَ وقد استبدَّ به الضعف، ووخطَ الشَّيب رأسه، إلا أن يراهما قبلَ رحيله، أعني قرطبةَ المكانَ والقلب!

رأى بأمِّ عينيه الضعيفتين قرطبةَ المكان، دهشة العمران، منازل الصِّبا، ومراتع الطفولة، ومجالس الهوى والشباب، وأمانة الأيامِ التي تركها وراءه منذُ رحيل، لكنه لم يحظَ برؤية قرطبة القلب، لقد امتنعتْ عنه، فعادَ يجرُّ أذيالَ الحرمان، وماهو يومئذٍ حي يعيشُ في حاضره؛ ولا آملٌ يفكِّرُ في هوى عابر، ولكنه ذكرى بلا رجاء، ولهفة مالها انقضاء. ولم يلبث بعدَ ذلكَ أن فارقَ الحياة!

وصلَ الخبر إلى ولَّادة، أنَّ ابنَ زيدونَ على البابِ يقف، لمْ تصدِّقِ الخبر. أكلُّ تلكَ الأيام، وبعد كلِّ هاتيكَ السِّنين، يأتي إلينا، يذكُرُنا، ويخصُّنا بزيارةٍ لحظةَ وصوله أرضَ قرطبة؟!

نهضتْ بعزمِ المحبِّ إلى المِرآة، فرأتِ الحالَ غير الحال، لقد مضتِ السنين بنضرةِ الحُسن، وغضَّنت الأيام جبينها، وخفتتْ مشارق الأنوارِ من وجنتيها، وعملت الحوادثُ عملها، لم تعد ولَّادة التي يعرفها ابن زيدون.
ثم ارتمتْ على سريرها خائرةَ القوى، تبكي، تندبُ الحبَّ القديم، وتنعي رحيلَ الشَّمس التي كانت تطلعُ من مفرقِ جبينها، وهاهي الشَّمسُ تلملمُ عباءتها الذَّهبية، طغى الغروب بسطوته، وانطفأ كلُّ شي!

خرجتِ الجارية تعتذرُ من ابنِ زيدون، لم تحتملْ ولَّادة لقائك. نهضَ ابن زيدون يودِّعُ المكانَ بصمتٍ ممض، كانَ يأملُ في لحظةٍ أخيرة يراها، يسكِّنُ لواعجَ النفس، ولهيب الشوق، ويسكتُ صوتَ الذكرى، منذ تناءتْ بهمُ الدِّيار. لكنه فهمَ سرَّ تمنُّعِها، وخرج.

أدركَ ابن زيدون أنَّ ولَّادة تكادُ تموتُ تحسرًا؛ لأنها لم تخرجْ لرؤيته، لكنه كانَ يدركُ أيضًا، أنها أرادت أن تبقي على صورتها المتوهجة في قلبِه، تلكَ الحسناء التي لم ير امرأةً تدانيها، الفاتنة الشقراء التي استطالتْ بجمالها، وعلتْ بسموِّ خصالها؛ فأغوتِ الأدباءَ والشُّعراء، وكانت حديثَ المجالس، ومطمعَ الوزراء والأمراء، أرادت أن تبقي تلكم الصورة التي تفتَّقَ لها شعره، وكتبَ عنها ما سارتّ بخبره الرُّكبان، وحفظه العشاقُ والخلان، وباتَ يتلىٰ ترنمًا في مجالسِ الود والأنسِ والتبسطِ كوردٍ مقدَّس، ولم تزده الأيامُ إلا حضورًا وبهاءً!

رحَل ابن زيدون وولَّادة تسكنُ قلبه؛ متوهجةً تتواثبُ في مطارفها الموشاة، لا تنالها الأيدي على طولِ السرى، وجهد السهر، وكدِّ الطريق. مزهرة لم تعتريها تصاريفُ الخريف، ومشرقة أبدا، لا غروبَ يطوحُ بصورتها الخالدة في قلبه، رحلَ وفي نفسه ذكرى لولَّادة، وقصائدُ لم تخلق، وحب لم ينطفئ، وشيءٌ من أملِ اللقاء. 

أَضْحَى التَّنَائِـي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا
                       وَنَابَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا
ألا وقد حانَ صُبــح البَيْـنِ صَبَّحنـا
                      حِيـنٌ فقـــــام بنـا للحِيـن ناعِيـنـا
تحميل ..