خالد بريه @khald_bryh

2019-02-22 03:34:37 للعموم

قارئة الفنجان

قارئة الفنجان!

منذُ البارحة وألمٌ يعتصرني، ألمٌ ممتزجٌ بإحساسٍ عنيف بـ القهر، والضعف، واللا جدوى، وصورٌ متعددة اختلطت في ذهني وتفكيري، صورُ الضحايا، وملامح الغياب، واختناق العدالة، وكذا الأطفال الذينَ لا يعرفونَ شيئًا عن قصةِ الظلمِ والرحيل!

في أجواءٍ مختلطةٍ كهذه؛ تذكرتُ [قارئةَ الفنجان]، لـ نزار، ووجدتني أرددها بلا شعور، "يا ولدي قد ماتَ شهيدًا من ماتَ فداءً للمحبوب"، بدا لي أولئكمُ الملائكة الراحلين، وهم يترنمونَ بهذا البيت.. وتخيلتُ الطفولة عندَ بزوغها يومًا، وهي تعي أنَّ الموسدَ تحتَ الثرى؛ ماتَ شهيدًا فداءً لمحبوبٍ مُستلَب، ووفاءً لقضيةٍ عادلة! ثمَّ تسائلتُ: وأي وطنٍ يرقى لمحبوبِ نموتُ لـ أجله؟!

فجأةً؛ هبطَ الجوابُ إليَّ من بيتٍ آخر، من القصيدةِ ذاتها، كأني بـ الراحلينَ يرددونه بصوتٍ ممزق، "فحبيبة قلبكَ يا ولدي نائمةٌ في قصرٍ مرصود، والقصرُ كبيرٌ يا ولدي وكلابٌ تحرسُهُ وجنود". وهل تنامُ الأوطان في قصورٍ مرصودة، أم في أقبيةٍ موصدة؟! سألتُ نفسي. لكنَّ الشيءَ الوحيد الذي اتفق رسمه في القصيدة، وحقيقته في الواقع؛ أنَّ المحبوب/الوطن، كلابٌ تحرسُه وجنود!

أتفهمُ أن ينهضَ أحدكم معترضًا؛ ما أرادَ نزار ما أردتَ، وما قال ما قال إلا في عاشقينِ برحَ بهمُ الحب، وأضناهمُ الشوق، واستبدَّ بهمُ الفراق.. وما لنزار وما ذهبتَ إليه؟!

وأنا أقولُ لكم هنا تكمنُ عظمةَ الشِّعر، الممتدِ في فضاءِ التأويل، القابلِ للخلقِ والتشكيل، الحامل لقَبسٍ من ضياءِ النبوءات. يخرج الشاعر من غبارِ السنين، فيخاطبنا بأبياتٍ قالها منذ عقود مضت.. فنشعرُ وكأنه اللحظةَ ينثرها أمامنا، ووحدها قصتنا المعنية بذلك!

يا ولدي

قد ماتَ شهيدًا من ماتَ فداءً للمحبوب!

لكن؛

لا تنسَ أنَّ محبوبة تركتْ بصمتٍ عاشقها؛ يعالجُ وقعَ الموت على أحبالِ المشانق، لم تكن تعلمُ أنَّ صمتَ المحبوبِ في حضرةِ الموتِ، موتٌ.

ماتَ فداءً لها؛ لكنها لم تلتفتْ،

امتدتْ يديها المرتعشة، مصفقة، وأنصتتْ بكلِّ إذعانٍ لـ صوتِ الموت، يأمرُ بإسكاتِ صوتِ الحياة، فأظلمَ القصر الذي تسترخي فيه! وانطفأتِ الشموع، وقضيَ الأمر.

خالد بريه

تحميل ..