وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2018-12-14 20:39:47 للعموم

الهروب من صفاقس والعودة إليها أدبا

"الدنكري من لباس للفقراء إلى موضة للأغنياء"، هذا العنوان بإحدى الجرائد المعلقة على باب أحد الأكشاك قد لفت إنتباهي وأنا جالس على كرسي دراجتي النارية أمام باب الجبلي، أنتظر صديقا حتى يأتي لنذهب في جولة إلى باب بحر وشط القراقنة.
كانت شمس العشية قد جعلت الظل شرق الشيء، شعرت بالحرارة ففتحت المعطف وبدأت في التحديق في كل الأرجاء دون أن يتفطن أحد، كما لا أتفطن لأحد حين يراقبني، بفعل النظارات الشمسية التي أضحت فرض كفاية على الناس جميعا.
إن وسط مدينة صفاقس لم يعد رمزا للمدينة أبدا، ولم يعد مكانا للتجول وللمواعيد وللتمتع بالمفترق الدوراني الذي يحيلك على خمسة طرقات تتفرع هي الأخرى إلى مئات المسالك والأنهج والزقاقات. بل إن وسط المدينة بسبب لامبالاة الناس وسوء تدبير حاكمهم وغياب برامج السلطة، تحول تدريجيا إلى فضاء تجاري غير مهيكل إلتقى فيه التجار بالتفصيل مع الحمالة والوسطاء وباعة السلع المهربة واللصوص والعاهرات ورجال الأمن وسياراتهم والمتسولات وباعة شرائح الهواتف ومحطة التاكسيات وباعة الملابس المستعملة وسلعهم التي ساهمت بطريقة أو بأخرى في خنق الوضع الذي يحتضر بطبيعته.
وكل هذا بطبيعة الحال دون التحدث عن الأدخنة المتصاعدة بعد دفع السيارات الخردة وصياح الباعة بنسق غير منظم أبدا، وموسيقى شعبية مختلطة بموسيقى الراي الجزائرية وتلاوات مختلفة للقرآن الكريم عن عبد الباسط والسديسي ومحمد رفعت والطبلاوي وصديق المنشاوي. وإكتظاظ بسبب خروج التاكسيات والحافلات من نفس المكان تقريبا ودخولهم في معمعة السيارات الخاصة والدراجات النارية حتى بدى المشهد كالجحيم يوم الحساب.
تحول وسط المدينة إلى ضاحية شعبية غير خاضعة للقوانين الجاري بها العمل. بل أكثر من ذلك، فوسط المدينة تحول إلى فضاء يعتاده ذئاب السوق الموازية ودكاكين الظلام ومن لف لفهم من بائعي المسروق والباحثين عن الإيناث ومروجي الحشيش والحبوب، وجامعي العلب والقوارير وأشاوس مراقبة مآوي السيارات.
دفع صديقي الدراجة لخطوات حتى إشتغلت ثم قفز ورائي، ثم وضع يديه وراء رقبتي وطفنا حول المفترق الدوراني وتوغلنا بين السيارات. إن صفاقس لا حق لها بأن تكون هكذا أبدا. مدينة رائعة حولوها إلى مكان مهجور غابت فيه الحياة.
قطط سمينة تبحث بين النفايات عن رزقها، أحد القطط مبقع وأعور، غبي لكنه يبدو شريرا، لا يكتفي أبدا بما يجوده عليه صاحبه. لقد ذكرني بشخص أعرفه جيدا، إنه أحد الكوادر الأمنية بالمنطقة، وهو الذي لا يقتنع أبدا بالراتب الذي تدفعه له الدولة شهريا، ولكن لعابه يسيل كلما تعلق الأمر بورقة أو إثنين من فئة عشرين دينارا، وأحيانا أكثر من ذلك إذا تعلق الأمر بمسألة أهم. يأتيه المبلغ كل يوم، قبل كأس الشاي بعد الفطور حتى يتمكن من هضم ما أكل وحتى تكون بقية سويعات العمل هادئة، وكأنه دخن سيجارة أرخت أعصابه.
إن صديقي هذا يفوقني سنا لكنه بطيء الفهم، لكنني تعلقت به أكثر من أي شخص آخر لا لأنه من مدينة صفاقس أي ظريف ويتحلى بروح الدعابة والذكاء، ولكن لأنه لا يعرف معنى المصلحة ولا الحسابات الصغيرة وغير أناني أبدا. بل أكثر من ذلك، فهو يتحمل عصبيتي وتسرعي وشتائمي، وتسللي بين السيارات بدراجة نارية تنفث الكثير من الدخان في بداية التحرك بسبب الحمولة.
شرد ذهني بعد أن مررت أمام محكمة الإستئناف ففكرت في معقولية الثورة من عدمها. وصلنا إلى الحانة وجلسنا بطاولة قريبة من الباب نسمع ضحكات السكارى كيف تختلط بأحاديثهم وأصوات الولعات وضرب الكؤوس والقنينات على الطاولات. ورجل يمشي على عكازين كيف يقفز برجل واحدة إلى الداخل بعد أن نزل من عتبة الباب متعطشالأول قنينة وأول كأس وأول جرعة.
إن للثورة مفهوم، وهو الخروج عن الوضع الراهن وتغييره والتطلع إلى الأفضل. لكن في تونس فالأمر كان كذلك ولم يصبح، فبعد الهبة الشعبية التي كانت عفوية والتي أطاحت بنظام فاشي، بلغت الثورة مفترق طرقات ثم سلكت طريقا غير معبد لتستقر كبريئة في بلدة سكانها من السفاحين والمشعوذين والمردة الذين يبحثون عنها.
لن أستعرض كل الأحداث التي إنطلقت منذ شهر ديسمبر 2010 ولا تلك السابقة له في بداية هذا القرن أو حتى القرن الذي سبقه، ولكن لمن يتمعن قليلا، بإمكانه ملاحظة الهوة الكبيرة بين الثورات القديمة والثورة التونسية بما أنها، ولا يختلف إثنان في ذلك، مصنفة ضمن أعظم الثورات في التاريخ البشري الحديث.
قامت الثورة أساسا على مطالب ليست نخبوية أو قطاعية، ولكنها مطالب شعبية نابعة من العامة الذين يقطنون الأكواخ والعاطلين عن العمل والمقموعين وضحايا التمييز والمحاباة. العامة أصابها جرح إنتفخ وإحمر ثم بدأ في التقيح إلى أن نطق المريض بما لا يعجب الحاكم ولا زبانيته من جلادين ووشاة ووسطاء ومنتفعين وإنتهازيين.
ولكن بعد الإطاحة بهؤلاء برز من هو أخطر منهم. لقد ظهرت مجموعة من قطاع الطرق الأوغاد الذين سلبوا في وقت وجيز أمتعة الذين ناظلوا لسنوات وعقود ضد النظام السائد وقتها. إحتلوا وسائل الإعلام المأجورة، بتحليلاتهم الركيكة وخضوعهم لجهات نافذة تأكل من حليب بقرة تعب الفلاح خلال حمايتها وتسمينها.
يحاولون إقناعنا بأن الثورة مصيبة، وأنها غير لائقة بشعوب العالم الثالث التي لن تجد أفضل من الزعماء الذين كانوا في الحكم. بل أكثر من ذلك، لقد وصلوا فعلا إلى السلطة رفقة مجموعة من الحاقدين على بطش النظام السابق، والإنتهازيين الباحثين عن الطمع وعن عظم يلعقونه ليتذوقوا طعم المال.
قالوا بطرق مختلفة أن الثورة حكر على الأوروبيين الذين خططوا للثورة مسبقا بثورات فكرية وثقافية هيأت المناخ للناس أولا لفهم الأمور. دونأن يتحدثوا عن أن الأوروبيين كانوا بحاجة إلى ثورة فكرية لتغيير وعي الناس وإزالة ثقافة الكنيسة التي كانت حاكمة آنذاك.
بعد ذلك بدؤوا يستعرضون الأرقام والنتائج ليدعموا حججهم، لقد قالوا أن نسبة الفقر زادت والمقدرة الشرائية للمواطن دمرت، والجريمة تفشت، والفقر ساد، والقروض تعددت، والإرهاب إستفحل والخونة إنتشروا. ثم ألقوا باللوم على المواطن البسيط الذي فجر غضبه في الشوارع ضد الأمنيين والمؤسسات، فضاعت الدولة في نظرهم.
هؤلاء يصرفون النظر عن الملفات الكبرى، عن البيترول وعن الدعم والمنح والخضوع والتهريب، يسخرون من كل نفس رافض بل ويتجاهلونه أو يشوهونه بإخراج كلابهم الشرسة إلى الشوارع، أو يقتلونه ويمنحون الطب الشرعي نصيبا هاما لتزييف التقارير.
بعد أن عدت لوعيي وجدت أنني فتحت القنينة السابعة وأنهيت نصف علبة السجائر. وصاحبي لعبت البيرة بدماغه فإتصل بإحدى العاهرات يشتمها ويقسم أنه لن يدفع لها أجرة البارحة حتى لو رفعت الأمر للقضاء.
تحميل ..