Walid El Astal @walidelastal

2018-12-01 22:01:50 للعموم

الرّهينة.. إميلي نصر الله

إذا استعرضنا أسماء الكاتبات العربيّات فإنّ إميلي نصر الله تقف في طليعتهنّ، و قد أكّدت مكانتها هذه من خلال أعمال كثيرة أذكر منها على سبيل المثال: رواية طيور أيلول، شجرة الدّفلى، و الرّهينة التي سأناقشها اليوم.

يشعر قارئ رواية الرّهينة أنّه يسير في عالم أسطوري، تعيشه رانية البطلة، القرية و أمّها و والدها. وروزينا المجنونة، و نمرود، الرّجل القويّ الّذي ربّاها طفلة و اكتشفت أخيراً أنّ هذا الرجل ما هوإلّا خطيبها.

و بمقابل عالم رانية الأسطوري و المموّه نجد هناك عالم صديقتها في الجامعة، سهام، والذي يناقض عالمها تماماً، بما فيه من معايشة واقعية للأحداث و امتلاء بالحياة و رغبة في النّهل من كلّ ينابيعها.

وو تبدأ الرواية بقراءة سهام أوراق رانية ، بكلّ دقائقها.. سواء في الماضي أو في الحاضر الّذي تعيشه في الجامعة و مشاعرها تجاه الزّملاء و مواقفها من الحياة.

تقول رانية في أوراقها مخاطبة سهام(و تعرفينني فتاة طبيعيّة، غادرت قريتها في سبيل البحث عن هويّة بين سكّان المدينة، فتعكّزت على العلم و المجتمع و الصّداقات، و ظلّ الصدى العنيف يهزّ جذورها و تلك الجذورمغروسة في اسفلت الأرصف. و المدينة لاتوفّر تربة خصبة لتجذر فيها أشجار السنديان) ص 15.

و تقول:(الهويّة التي اكتسبتها مزوّرة، سطحيّة، و ظلّت هويّته- أي نمرودـ تحتجز شخصي و تكبّل ساعدي، و تقيّد حركاتي) ص 15.

إنّ رانية مطاردة بشبح من الماضي يتجسّد هذا الشبح في نمرود، قدرها الذي لا تملك منه فكاكاً(أحسّه قويّاً، سطوته تغمر حياتنا) ص 65.

في البداية كانت سهام تتصوّر برودها و صدودها له دلالات عاطفيّة. و كانت تلحّ في البحث عن الجواب، و لذا تصفها سهام بقولها:(هي بعيدة، في عالم خاصّ بها، لم يتسنّ طرقه بعد. و بدون أن تريد، تجرّنا خلفها، في سبلها المتعرّجة، اللّامتناهية، لننتهي و أيدينا مطبقة على الفراغ) ص 60.

و يثير وضعها هذا زميلها مروان و يقع في هواها، و لكنّها لم تفسح له المجال للتعبير عن عواطفه و تشتبك الأمور عندما تعرف أنّ سهام تحبّ مروان هذا. و عندما تعرف بالأمر تُعَلِّق(لم أقدّر في تلك اللّحظات العابرة أنّنا كنّا نسجّل دقائق قصّة غريبة، أنا أحبّ مروان، و أضطرّلحجب عواطفي بدافع المحافظة على كرامتي، و خوفاً من جلب الأذى لرانية، و مروان منصرفٌ عنّي إليها) ص 60.

و نعرف أيضاً من خلال قراءة سهام لأوراق رانية مسائل دقيقة عن حياتها في القرية بين أمّها و أبيها، و لكن كلّ حياتها كانت تمرّ مقرونة بنمرود رغم أنّها تجهل موقعه في حياتها، لماذا يفرض حضوره على والديها؟ لماذا يدخل البيت أو يخرج منه بدون حرج؟

و تعرف الجواب عندما كانت تطوف في الغابة و تتعرّف عل روزينا، المرأة الوحيدة المقطوعة التي كان يظنّ الجميع أنّها مجنونة، و تخبرها روزينا بحقائق كثيرة كانت خافيةً عنها، و تطلب منها أن تسأل أمّها عن نمرود، و عندما تواجه الأمّ بهذا السؤال تعترف لها أنّه خطيبها.

يصيبها الجواب بالدّوار أوّل الأمر، و لم تصدّق أنّه الحقيقة. و تعرف أيضاً أنّ نمرود هذا هو مالك الأرض التي تعيش عليها القرية، و هو القادر على أن يفعل ما يحلو له بأهلها. و تبرّر الأمّ عملها أمام غضب رانية بقولها:(عطفنا عليك، و محبّتنا لك، كان دافعنا إلى القبول، و بدل أن تكوني خادمة في مزارع نمرود جعلناك سيّدة على ماله و قلبه، و سوف تصبحين الآمرة النّاهية في أملاكه و أرزاقه) ص 128.

و هكذا يحكم الطَّوق حول عنقها، و ليس لها القدرة على الفرار منه بعد. و عندما أرادت دخول الجامعة سمح لها نمرود بذلك. و كانت الثقة تملؤه بأنّه استطاع أن يجعلها أسيرته و ستعود إليه حتماً.

و لهذا السبب لم تفسح المجال لمروان، ولم تشجّعه على الإستمرار في متابعتها رغم حبِّه الأكيد لها.

و في سنتها الأخيرة بالجامعة يعرف مروان علاقتها بنمرود، و لكنّه مع هذا لم ييأس و في يوم عودتها للقرية بعد انتهاء دراستها الجامعية ينتظرها و يأخذها بالقوّة إلى بيت عمّته في الجبل. و تبقى هناك بضعة أيّام ظنّاً منها أنّها ستقدر على الفرار من نمرود، و لكنّ شبحه يظلّ يطاردها، و تتوقّع أن يعرف بتصرّفها، و يعرف أنّها الآن مع مروان في هذا المكان الجبليّ الجميل.

و تصف نفسها أنّها كالطّائر الّذي فارقته الرّغبة في التّحليق،(و انّ الخيط الذي شدّه إلى جدران القفص صار جزءاً من كيانه) ص 210.

و لذا تهرب من مروان في صبيحة مبكّرة، بعد أن تترك له رسالة تخبره فيها عن حبّها له.

و هكذا تركب الباص، يتناهى إليها صوت المذياع، حيث يتحدّث المذيع عن عودة الملّاحين الفضائيّين الثلاثة إلى الأرض سالمين.

و هكذا تنتهي الرّواية.

إذا كان روني بويلوسيف يرى أنّ أجمل مهمّة محدودة تقدَّم للرّوائي هي أن يصوّر أناس زمنه. فإنّ إميلي نصر الله قد استطاعت أن تفعل هذا من خلال رواياتها الثلاث اللّواتي ذكرتهنّ. لا سيّما في روايتها هذه بالذّات رغم المسحة الصوفيّة الّتي تلفّ الأحداث و التي لا يشعر القارئ بالتعاطف معها كلّيّاً، على الرّغم من أنّها جزء من نسيج الرّواية، و لغتها الصافية المنتقاة.

و نرى أنّ إميلي نصر الله لا تلجأ إلى مثل ما تلجأ إليه الكثيرات من زميلاتها عن الحديث عن المرأة و الجنس فقط في محاولة لإرضاء القارئ الذي لا يبحث عن الدّلالات الكبيرة للعمل الرّوائي بل يكتفي بالبحث عن هذه المقبّلات غير الأساسيّة.

و أؤاخذ المؤلّفة أيضاً على شخصية رانية التي ظلّت مأخوذة حتّى الأخير، و أنّها لا تمثّل الإنسان في انتصاره بل في انكساره، و أعتقد أنّها لو جعلت هروبها مع مروان خاتمة للرّواية لكانت أكثر إضاءة و أكثر إيجابيّة و أكثر انتصاراً للإنسان. هذا إذا اعتبرنا نمرود نموذج الإرهاب و السّطوة و الإستغلال. و هو هكذا فعلاً من خلال أحداث الرّواية.

تبقى رانية رهينة، و يبقى تطلّع الإنسان مشروعاً، مروان عرف هذا، و كذلك سهام لذلك تعاطفنا معهما و لم نتعاطف مع رانية في ضعفها، حيث أثارت رثاءنا أكثر من إعجابنا.

(أرشيف)

تحميل ..