Walid El Astal @walidelastal

2018-11-27 17:32:45 للعموم

الملاذات.. حمد صالح

الملاذات.. حمد صالح

هناك ظاهرة ليست عراقية فقط و لكنّها عربية أيضاً تتمثّل في كون أغلبية الأسماء التي أضافت و جدّدت في الأدب العربي و خصوصاً في مرحلة الستّينات و ما بعدها هي لكتّاب نزحوا من الريف و المدن الصغيرة إلى العواصم، و إذا كان قِسمٌ كبير منهم قد اندمج مع المدينةـ العاصمة و مشاكلها و طبيعة الحياة فيها و وجد موضوع قصّته و روايته فيها، فإنّ القسم الآخر ما زال يقتات على تجربته الماضية، مدينته الأولى أو قريته.

و في تلك الفترة الزمنيّة أيضاً وجدت في العراق أكثر من ثلاثة أرباع الأدباء الذين يقطنون العاصمة

هم من الوافدين إليها، و لكن بالمقابل هناك أدباء ظلّوا في مدنهم و قراهم، و مارسوا حضورهم الأدبيّ من خلال ما نشروه في كتبٍ و مجلّات.

و فيما يتعلّق بالقصّة أذكر على سبيل المثال:(محمد خضير) البصرة، (محمود جنداري)،(نجمان ياسين) الموصل، (جليل القيسي) كركوك و غيرهم.

أمّا (حَمَد صالح) صاحب مجموعة (الملاذات) فهو الآخر ممّن اصطلح على تسميتهم ـ عراقيّاًـ بأدباء المحافظات، و يعيش في إحدى المدن الصغيرة القريبة من الموصل(الشرقاط).

أهمّ ما يؤشّر إيجابيّاً ل(حمد صالح) هو تميّز قصصه بيئويّاً، إذ أنّها تنطلق من عالم واحد، هو عالم قرية واحدة في شمال العراق، لها مناخها و أناسها و موقعها الجغرافي، و تكاد تكون هذه القرية مسرحاً لأحداث كلّ القصص ـ ما عدا قصّة(الجامع) التي تدور أحداثها في بقعة ما في فلسطين.

و لا يشارك حَمَد صالح في المناخ البيئوي الموحَّد إلّا قصّاصون قلائل، أذكر منهم على سبيل المثال: فهد الأسدي في كتاباته عن الأهوار، و جمعة اللّامي في العالم شبه الأسطوري الّذي ينسجه عن مدينة متخيّلة هي(اليشن).

كما أنّ هناك قصّاصين آخرين زاوجوا ما بين بيئتهم الأولى و بيئتهم الجديدة و هم الأكثرية: عبد الخالق الركابي، موسى كريدي، غازي العبادي، محمد خضير، عبد الرحمان مجيد الربيعي، عبد الرزّاق المطلبي، أحمد خلف و غيرهم.

تضمّ مجموعة (الملاذات) ل(حمد صالح) ثماني قصص، سبع منها تدور في قرية محدّدة، تقع في منطقة مقطوعة، شبه صحراوية، لا يرى قاطنها حولها إلّا الآثار و امتداد جبال حمرين، و الرؤوس عامرة بالحكايا عن السعالي و الذّئاب و النّذور و الأولياء و سريّة الصحراء.

و القصة الوحيدة التي تخرج عن جوّ هذه المجموعة هي قصّة(الجامع) و التي تدور في مكان ما من فلسطين و عن جامع يريد الصهاينة نسفه من أجل استخراج الآثار الموجودة تحته، و إصرار بعض سكّان القرية على الإعتصام بالجامع حتّى يُنسَفُوا معه دون أن يخرجوا منه و يسلموه ببساطة للمحتلّين. و تذكّرنا هذه القصّة بذلك المدّ من القصص العربية التي بدأت بالظهور بعد نكسة حزيران، يكتبها قصّاصون بحماس و عواطف متّقدة و لكنّها تأتي عائمة معلّقة، لأنّ كتّابها يكتبونها من أماكنهم البعيدة دون أن يعرفوا حتّى أبسط الأشياء عن جغرافية المكان الّذي يكتبون عنه و مناخه...إلخ.

قصّة(الأنفاس) تلخّص حالة إنسان جاء يحمل نبأ استشهاد صديق له إلى أسرته، أمّه و زوجته و طفله الّذي ولد في غيابه، و لكنّه لم يستطع أن يبوح بما في صدره.

وعلى الرّغم من أنّ أهمّ ما حقّقه الكاتب في هذه القصّة هو حركة شخوصها و القادم و البيئة إلّا أنّنا نجد أنّ هذا الموضوع سبق و أن كتب عنه في القصّة العراقيّة بالذّات عند (أحمد خلف) في قصّته(خوذة لرجل نصف ميت) و (محمد خضير) في قصّته(الأرجوحة) مثلاً.

و رغم الموضوع الواحد الّذي شارك فيه(حمد صالح) زميليه اللّذين ذكرتهما إلّا أنّه كتب قصّةً مختلفة عنهما.

و في(تلك الشجرة المباركة) يقدّم لنا الكاتب حزن طفلٍ على شجرةٍ كبيرةٍ تقع في باحة الدّار و يريد والداه اقتلاعها، و على الرّغم من بساطة الحدث إلّا أنّ الكاتب أغناه و ملأه بالمكان و المناخ بحيث جعله كبيراً و مهمّاً.

و نجد أنّ (حمد صالح) في كلّ قصصه الأخرى اللّاحقة يعتمد على الجملة الطويلة، و على الوصف المسهب، و لعلّ هذا جزء من أسلوبه الّذي ينقذه ابتعاده عن خلق أيّة حالةٍ من الملل داخل القارئ.

في(سفر العودة) يحقّق الكاتب هذا الوصف الّذي يكمل حركة الحياة في كوخٍ بسيط، تقطنه أمّ و كنّة تنتظران الاِبن الغائب، و ينفذ الكاتب إلى دقائق نفوس شخوصه البسطاء هؤلاء الّذين نراهم ممتلئين رغم وجودهم في هذا المنفى حيث لا يشدّهم شيء إلى العالم الكبير الّذي يتواجدون فيه، و ليس بعد القرية إلّا الصحراء و الغياب الغامض المخيف.

و يميل(حمد صالح) إلى فرش ظلال من الغموض و السريّة على عالم قصصه، و لعلّ هذا متأتٍّ بتشبّعه بميثولوجيا القرية التي تستند غالباً إلى طقوس غيبيّة، لا أحد يستطيع أن يفكّ ما خبّأته أو يستوعبه.

و قصّته(وجهان من الغربة) تجسّد هذا، فالمرأة التي تفرّ مع الفجر متحدّية عُرْفَ القرية تصبح كالجنّية في الأساطير، و عندما ينهشها الكلب ذلك النّهش الفاجع نحسّ و كأنّنا مرميّون في كابوس خانق، لا نتنفّس بعده إلّا عندما نقرأ وصفه للفارس الّذي يخبّ على جواده مرتمياً في غموض الصحراء.

أمّا قصّة(إهتمامات يوميّة) فهي من أكثر قصص المجموعة إثارة، و تتحدّث عن عالم الذّئاب في الصحراء و مهاجمتها للقرى عندما يداهمها الجوع، و رجل شرطة له القدرة على ترويض أعتى الذّئاب.

و على الرّغم من أنّ موضوع الذّئاب و هجومها على المدن و القرى قد قرأناه في قصص عدّة لأدباء عرب و أجانب إلّا أنّ(حمد صالح) يفلح في إعطاء قصّته خصوصيّتها مستعيناً بدرجةٍ كبيرة بالموقع الجغرافي و كذلك بمناخ الأحداث.

في المجموعة قصّتان لم يستطع الكاتب فيهما أن يحقّق ما استطاع أن يحقّقه في قصصه الّتي تحدّثت عنها سابقاً، و القصّتان هما: الملاذات(التي أطلق اسمها على المجموعة كلّها) و الحكيم.

فكلّ واحدةٍ منهما أخذها الترهّل و التشعّب في عدّة أحداث، و خصوصاً قصّة(الحكيم). و يبدو لي أنّ قصّة الملاذات قد فلتت من يد الكاتب و لم يستطع جمعها حتّى تصبح طروحاتها مقنعة، مثل(الصرع) الّذي يعاني منه بطلها، و خوفه من(السعادة) الوهميّة.

لقد ثبّت ملاحظاتي على هذه المجموعة(الملاذات) و هي ملاحظات لا بدّ منها و خصوصاً و نحن أمام تجربة في كتابة القصّة العراقيّة تملك براءتها و صدقها دون أن تنقاد إلى الإفتعال و التزوير اللّذين يقتلان الكاتب قبل القصّة.

تحميل ..