احمد عباس الملجمي @Abbas199062

2018-09-03 05:33:07 للعموم

عن الحب في المُدن

أقف من الطابق السابع عشر مع نهاية كل أسبوع، أسند رأسي إلى إطار النافذة، كراية مجهولة مهزومة، في ساحة لا يُعرف المنتصر فيها من المهزوم، غير أنني المهزوم دائما كلما وقفت ها هنا، أقف وبجواري مجموعة من القصاصات الورقية الملونة، التي أنهكتها جُملٌ مبتورة الأطراف، جُملٌ لا تكاد تُميز بعضها من بعض، جُملٌ لم ترى النور بعد، تماماً كما لقلبي النصيب الأكبر من ذلك الإنهاك، مشوهة كالهيئة التي أقف بها الآن بين أيديكم.

أقف أُراقب حركة سير السيارات، مرة ستة أيام من العمل الشاق، ومرة سنة من غربة الأرواح عن الأجسام، من غربة الحب، من الروتين المُمل، من أصوات الغربان، من موت الحمام، من تساقط الأوراق، من ذبول الأزهار على قارعة الطريق، من غياب النجوم، من حرارة الصيف، من أصوات السيارات، من لدغات البعوض، من تصفح الكتب، من التدوين والحذف والكتابة، من هروب الذات، من الأمل الضعيف، من الأحلام المبعثرة، من الأخبار السيئة، من التغربة والنسيان والانتظار، من قطار الغربة الذي لا وجهة له، من المشي في الطرقات، من صفعات الأسئلة المتكررة، من إبراز الجواز، يمر كل ذلك وتمر على غربتين، غربة في قلبي وغربة عليه.

من منكم يعلم أن الحب لا يسكُن المُدن الكبيرة والبنايات العملاقة، العيش في المُدن يقتات على الأرواح، يستهلكها كشمعة حتى تنطفي، كماؤها تنساح منك روحك، لا تكاد تجد طريقة لتلملمها إليك، لتواسيها، لتطبطب عليها وعليك، حتى إذا ما ذهبت منك روحك، بتُ أشبه بالآلة تعرف مسبقاً ما يجب أن تفعل.

النّاس هنا يتوهمون الحب، النّاس يرون الحب في الشموع الحمراء والستائر الشفافة والمساحيق الملونة والأزياء الجديدة والغُرف المفروشة ومشاتل الورود والزهور والحدائق المعلقة والملاهي والحوانيت ودور السينما والأندية والبارات وباسكن روبنز وماكدونالدز وكنتاكي، كل ذلك ولا سبيل لأن يجدوه.

الحب يُغادر المدينة، إلا من بطون الجائعين والكادحين والمهاجرين والمفارقين والعاطلين، وكبار السن، وحدهم أولئك من يحيون شوارعها ويأنسون وحشة مبانيها الشاهقة، يذهب الناس بحثاً عن المتعة والحب، على سواحل البحار وأدغال الغابات والحدائق المائية وأطراف الريف، فيعود الحب على خلسة إلى المدينة، ليواسي البطون الجائعة والقلوب المكسورة والعيون الذارفة، ها أنا ذا أنتظر وصوله لعل أن يطل من طاقة قلبي.

الحبُ يُغادر المُدن حينما يتصنع النَاس وسائل بديلة للإحساس به، فما تلبث المدينة أن تصبح مقفرة منه، يعمل الإنسان بجدٍ في البحث عن الحبِ والسعادة، وهو ذاته يعمل بجدٍ أكثر لطردهما من قلبه ومحيطه دون أن يشعر، يفعل ذلك حينما يحاول أن يملك الحب بما يصنع، لا بما يصنعه الحب ذاته.

تحميل ..