Hassan Boudaden @boudadenhassan

2018-09-02 19:25:32 للعموم

القابلية للعراء بين السوءة والقدر

نقد إنطباعي: لكتاب الدكتور فكتور فرانكل: الإنسان يبحث عن المعنى

أسوء كتاب ينصح به

تنبيه للقارئ/ة:

[ لست في معرض عرض لمحتويات الكتاب ولا أجد فائدة في ذلك فالشبكة مليئة بالتلاخيص والتبسيطات لهذا الأخير، وقراءته يسيرة لا تتجاوز صفحاته 211 صفحة من الحجم المتوسط، بل إن رواجه الكبير هو ما دفعني حقا لكتابة هذه التدوينة فكيف يشهر بهذا الكتاب وهو ما هو من السوء]

__________________________________

ا.... (I) تمهيد "أسباب النزول" عرفان لصداقة

===========================

أرسل لي صديق عزيز يوم 28/أبريل 2018 كتاب الدكتور فكتور فرانكل: الإنسان يبحث عن المعنى، مقدمة في العلاج بالمعنى التسامي بالنفس من ترجمة طلعت منصور مراجعة عبد العزيز القوصي نشر دار القلم- الكويت- الطبعة الأولى 1982.

لعل من أسباب الهدية القيمة من صديقي العزيز ما جمعني به غير ما مرة من المداولات والدردشات حول معنى الحياة ومعاني أشتات مظاهرها ( شأن مسألة الأبوة والبنوة والانوثة والزواج والسياسة والمال والسعادة والدين والذات والمعرفة، والفن ....إلخ )

وصديقي يعلم اعتراضاتي على عديد من "الآراء السديدة"، ويعرف قبس من أفكاري الفطيرة. ومقتضاها بالجملة رفض وسم الحياة بمعنى.

صديقي يعلم ان موقفي ليس تشاؤما، فلست أرفض الحياة ولا هو إفتقاد للقدرة على اجتراح معاني تسمو بها، إذ يكفي استظهار بعض متون أهل التفاؤل أو الرد على اعتراضات طوائف التشاؤم بما لا يند عن مهاراتي في التفكير الضديد أوالمحايث.

لكن إطلاعي على هذه الرؤى الفريدة لم يجعلني يوما أغير من تصوري المرتبك حول الحياة وتجلياتها.

بيد أن إرتباكي لم يكن يوما حائلا بيني وبين الشغف بالحياة والبحث عن ملذاتها والإلتذاذ بها على نحو معقول إكراما لذاتي بما لذ. ولا كان بالمثل حائلا بيني وبين تقدير ذوات الأخرين ومد يد العون لهم، ولمها بالتصفيق لطيب فعلهم إن استحقوا ذلك.

والحقيقة التي انجلت أمامي بفضل هدية صديقي العزيز أن هذا الكتاب أسوء ما يمكن أن يقرأ

وعجبي ان صاحبه يدعي تأسيس "علم نفس علاجي" من خلال مجمل ملاحظاته التي دونها عن خبرة ذاتية وغيرية "بماهية الإنسان" !!

ذلك أن عصارة الخلاصة التي ينطوي عليها الكتاب ضمنيا، - أو هذا ما تبدى لي - مفادها:

_____ أن الاصل في الإنسان العراء، بل وأن إمكان تعريته ليست بالعصية ____

فما العراء la Nudité ؟

العَراءُ لغة هو الفضاءُ لا يُسْتَتَرُ فيه بشيءٍ ، والعراء في اصطلاحنا هو الكيان الإنساني وبيانه:

قد يشمئز ويتقزز ويستشيط غضبا بعضنا من التشبيهات السائرة بين الإنسان والبهائم، ويرى في ذلك إمتهانا لكرامته المزعومة، والحق الحق أقول ما ذلك بحق، إذ إن هذه الأخيرة أفضل حالا من بني البشر، فقد أوتيت كمال الخلقة من بدء الخلق، بهذا تحدثنا أسطورة بروميثيوس التعيس، أما الإنسان فلم يكن حاله "إلا كائن حي ذو قدمين بلا ريش"

هكذا يتجلى أننا جئنا إلى هذه الحياة أسطوريا عراة، ونحن كذلك بيولوجيا نولد عراة ونموت عراة، " لكن المأساة ليست تماما في كوننا كائنات عارية، بل في محاولاتنا الحثيثة لنسيان ذلك" مثلما كتب جون برون في كتابه

La nudité humaine « Le drame n'est pas tellement que l'homme soit nu,mais qu'il essaie de  l'oublier» Jean Brun.

العراء إذن هو قدر الإنسان وربما هو خير ما ينتظرنا في جنة الرحمان.

مع الدكتور فرانكل تصبح "القابلية للعراء" خاصية جوهرية للإنسان ماديا ورمزيا، ويصبح الإنسان ليس بذلك القرد العاري مثلما وصفه ديزموند موريس. بل إنه اكثر من ذلك بغير أصل.

أي بلا كسوة تقيه من خواء وجوده، إن العراء من المعنى واللباس هو ما تصفه بدقة تجربة الدكتور فرانكل الأليمة بالمعسكر النازي، والعراء فراغ مهول يكاد يكون هوة تبتلع الذات الإنسانية، وترمي بها في الهباء.

كتاب الدكتور فرانكل أسوء ما يقرأ فواقعة المعسكر النازي الذي عاش فيه قدره باقتدار لم يكن واقعا بل رمزا للحياة، كل الحياة، إننا بدورنا في معسكر الإله، ألم نسقط من عرائنا الاول المجهول بالفردوس إلى عرائنا المعلوم بالطبيعة. لكن ما الذي أخرج أبونا من تلكم الأرض العارية حيث لا شيء يخفى عن عين الإله؟

ألم تنبهنا للعراء غير سوءات خمس:

1) سوءة النسيان (العقل) 2) سوءة اللذة (الذوق) 3) سوءة المشاركة (اللمس) 4) سوءة الغواية (السمع) 5) سوءة الإرادة (الإبصار)، لكن ما الحياة غير هذه السوءات الخمس (حس وعقل)

إن المعسكر النازي هو صورة الحياة فعجبا كيف يجد فيه الدكتور فرانكل، معنى، بل وعلاجا، والحال إن كتابه يخلق التوتر والقلق فهو حقا إحدى الصفعات العلمية للإنسانية من جنس صفعات كوبرنيك وداروين وفرويد، بل لعله أشدها. وهو ما تنبه إليه صاحبنا بنفسه، لما عرف طريقته العلاجية مازحا - وللمزاح دلالات في التحليل النفسي - فقال تمييزا له عن التحليل النفسي الفرويدي " في العلاج بالمعنى قد يظل المريض جالسا معتدلا في وضعه الطبيعي، لكنه ينبغي أن يسمع أشياء، يكون في بعض الأحيان من غير المقبول جدا سماعها" ص 129

وهو ما يحث حقا عند قراءة الكتاب، فقد إكتشفت في قراءته أبشع احتمالات الوجود أي القابلية للعراء ولا أقول التعري فهذا الأخير قد يكون إختياريا او اضطراريا، أما العراء فوجوه بلا ملامح وبدن بلا كساء وروح بلا قيم ونفس بغير شعور وجسد بلا شهوة بالكاد يحمل أجزاءه المبعثرة.

هكذا يصير الوجود عارية "من الإعارة" بيد حياة عارية ملقى بها، هشيما تذروها الريح.

_____________لكن لماذا يختار البشر الحياة ؟_________________

لأنها أول ما لم نختره،وأول ما يختارنا، ووحده ما يختارنا يدوم ويستمر، ووحدها تتحمل سوءات وجودنا.

ومصداق ذلك ان الحب أكثر ما يطلب وأعز ما يوجد، والأخلاق أسمى ما يكسب وأكسد البضائع طلبا، والسعادة مبتغى الأدني والأعلى وأقل ما يلمس او يدوم مع الزمان. أما العدل فإختيار مفتقد إفتقاد إكسير الحياة، ومن إبتغاه رضي أن يكون مظلوما بأن يكون من المطففين على انفسهم بأن يزيد المكيال للأخرين وينقص مما يكيل لنفسه. وهو يظلم نفسه بذلك مرتين !!

فعن معنى الحياة إذن لا تسأل فما من مجيب غير ذاتك وما كانت لهذه الاخيرة من إجابة غير فعل العيش الذي تحققه وبه تتحقق

كتاب الدكتور فرانكل سوءة: فهو لا يجيب عن سؤال ولا يثير سؤال

فإذا قرأه صاحب معنى من المعاني المزعومة للحياة فقد معناه لا محالة أو اعتبر حياته لا تعدو شرا لا بد منه في كل حالة، أو لعل في حياته من الشرور أقل أو أكثر مما في حياة غيره، لكن خلاصة القول إن الحياة شر - فبئس المعنى هذا - ومثله يصير شقيا

وإذا قرأه فاقد المعنى برر فقده وصار شقيا

وإذا قرأه الأشرار تعلموا كيف يجعلوننا نفقد ذواتنا ومعناها بتجريدنا من لباس الكرامة والأمن - سيأتي ذكره بعد حين -

الحياة بلا معني صديقنا الدكتور فرانكل بهذا احب ان اهمس له شاكرا له متعة الصفحات المضمخة بالعلم والإنسانية والسلاسة. لكن ما الذي يقي الإنسان من العراء؟ ما الحجاب الساتر لعورته وسوءاته ؟

سأقول منه طرفا ويعز علي ان يكون فطيرا والفطير كل ما أُعْجِلَ به قَبلَ نُضْجِهِ

إن فضيلة هذا الرأي مبناها على القسمة الآتية: إفتقاد الشيء وتفقد حصوله، خير من فقد الشيء وتفقد غيابه.

فالتفقد الاول تطلع نحو الآفاق الواسعة، والتفقد الثاني نكأ للجراح المتقيحة، لهذا كان الجهل لباس الإنسان بالحق فهو زاد التطلع و الإشرئباب نحو البعائد والترفع عن القرائب وطلب لب الشيء دون قشوره، ولنمسك عن الكلام بوقفات مع مولانا عبد الجبار النفري في مديح الجهل وبها يكون ختام هذه التدوينة العرفانية للصديق العزيز على هديته الجميلة:

قال النفري من “موقف حجاب الرؤية”

وقال لى: العلم وما فيه في الغيبة لا في الرؤية

وقال لي: الجهل حدٌّ فى العلم، وللعلم حدود، وبين كل حدين جهل

وقال لى: الجهل ثمرة العلم النافع، والرضا به ثمرة الإخلاص الصادق

وقال النفرى من “موقف وراء المواقف”

وقال لى: اختم علمك بالجهل وإلا هلكت به، واختم عملك بالعلم وإلا هلكت به

وقال لي المَعْرِفَةُ بَلاءُ الخَلْقِ...وفي الجهل نجاة الخلق

وقال لي: أعدى عدوٍّ لك إنما يحاول إِخْرَاجَكَ مِنَ الجَهْلِ لا مِنَ العِلْم.

_____________

[ عبد الجبار النفري الأعمال الكاملة راجعها وقدم لها سعيد الغانمي منشورات دار الجمل كولونيا (ألمانيا) بغداد الطبعة الأولى 2007 ]

تحميل ..