وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2018-08-22 13:45:47 منشور معدل للعموم

الإنسان سجين أفكاره

نشأت في منطقة تقيم الموت في أحد أكواخها، تخرج ليلا سكرانة متمايلة دون أن تنسى قائمة المستهدفين أبدا، وتعود قبل الفجر تاركة ورائها جثثا ودماء وصياحا وأحقادا كثيرة.
لا أتذكر أنني إرتديت تبانا، حتى قضيبي نشأ متوحشا متمردا كالسفاحين تماما، لا يعترف بالقوانين وبالتقاليد، مجرما وقاسيا. لم يعلمني أبي كيف يمكنني البقاء على قيد الحياة، بل تعلمت ذلك من الناس الذين لا يخرجون إلا والسكاكين المشحوذة تسكن ثيابهم، ومن القطة عمروشة التي تتسلل رغم كثرة الكلاب فقط لتسرق الطعام لأبناءها.
أمر بين صفائح القصدير وبين قوارير الشراب الأحمر خوفا من الجروح، وأبعد قطع الحديد لأصل وراء الكوخ وأنظر يمينا وشمالا وأنحني لأتبول ثم أمسح مؤخرتي بحجرة وأعود حذرا كالعادة.
لم أتعلم حرفا واحدا يمكنني من قراءة ورقة قد تحدد مصيري، بل بلغت هذا العمر أميا كالحيوان، وحين تبلغنا ورقة ترسلني أمي بعد التهديد إلى كوخ الشيخ حمدة ليفسر لي مضمونها، وأعود مسرعا لكي لا أنسى ما قاله، لكن رغم ذلك لا أتذكر أكثر من نصف الكلام. كانت أمي تمنعني من الخروج ليلا، وتحاول إخافتي بأن الخروج ليلا هو إنتحار، فالموت تتنقل بين الأكواخ كالدخان لتنفذ مخططاتها، والخروج ليلا قد يسهل عملية مقابلتي بها.
لقد صورت لي الموت في هيئة عجوز طويلة منحنية الظهر، بشعة المظهر وخصلات شيبها خارجة من غطاء رأسها، أنفها معقف وأسنانها الطويلة تفصل بينها فراغات كثيرة. كنت أتشمم رائحة الخراء الآتي من خلف الكوخ، وكنت أخاف كثيرا من ذلك الكلام حتى إكتملت صورة الموت في ذهني، بل أكثر من ذلك، صرت أستشعر مرورها أمام الكوخ، وأسمع صوت خطواتها الثقيلة وظلها الذي أراه تحت الباب كيف يمر ببطئ، وزادت ثقتي في كلام أمي هي الأخبار التي أسمعها كل صباح، إسم المقتول والسبب في وفاته. أسمع كل تلك الأخبار صباحا وأنا في فراشي، حين تكون القطة عمروشة ملتوية ورائي تبحث عن الدفئ، وأمي أمام الكوخ رفقة إحدى النساء اللواتي جلبن الخبر الروتيني، يتحدثن بإستهجان عن بشاعة الجريمة وعن كثرة القتلى هذه الأيام.
بعد ذلك وحين تقدمت في العمر قليلا لم يعد أمر الموت يخيفني، بل أتشوق لرؤيتها وتأمل وجهها، وتحولت تلك الرغبة إلى إرادة جامحة لقتلها وتخليص الناس منها ومن أفعالها ومن القصص التي أخافت وأرعبت جيلا بأكمله، جيل حرم من السهر ومن التنقل ليلا دون خوف ودون رهبة من عجوز شمطاء يجب أن تموت وتنتهي المشكلة.
صرت أترك أمي وحيدة دون أحد يسهر معها في ليالي الشتاء الطويلة، خاصة بعد أن ماتت عمروشة وتركت عشرات أبناءها سائبة بين الأكواخ وفي الطوابي، لا يعرفون أن أمهم تدعى عمروشة ولا يعرفون أنا كوخنا هو المكان الذي ولدوا داخله وهو مهدهم الأول، بل يتزاوجون ويقتلون بعضهم من أجل الإيناث. وأنا رفقة البعض من الأصحاب نسهر في الخارج ونسكر ونحشش ونخطط لعمليات خطيرة ومتنوعة، نريد أن نعيش فاعلين في هذه الحياة القبيحة التي لم تنصفنا منذ البداية، والتي زرعتنا في مكان سيء كهذا المكان. كنت أشرب دون كأس، بل أضع فوهة زجاجة الشراب الأحمر بين شفتاي وأبتلع الشراب مباشرة بعد كل نفس من سيجارة حشيش.
إرتقت أهدافنا أكثر فخرجنا أول مرة للعالم الخارجي، صدمنا المنظر، ظننا في البداية أن ذلك هو مفعول ما نشربه وما ندخنه، لكن إستوعبنا الحقيقة بعد أن زال المفعول. إنها المدينة، عالم مواز للعالم الذي ولدنا فيه، سيارات ودكاكين مصففة ومحلات حلاقة ومحلات ملابس، وأخرى للأكل وأخرى للميكانيسيانات. وإكتشفنا أن الشراب له محلات والقهوة أيضا يشربونها في محلات كلها كراسي وطاولات وورق وأغاني طربية تخرج من النوافذ ومن الباب لتحتل مساحة أمام المقهى.
صرت أنا الآخر لا أخرج إلا وسكيني معي، لا وقت للرجاء وللتوسل في بعض الأحيان، بل الحل عندها هو سحبها في ذلك الظلام وغمسها في صدر من أمامي أو وضعها على رقبته وسحبها بكل قوة وسرعة حتى تسمع شخيره وتتحسس الدماء كيف تبلل يديك. ولا تفعل شيئا بعدها غير سحبها وتنظيف وجهيها على ثيابه بعد أن يسقط وترجعها حيث كانت. هكذا تدار الأمور هنا دون تعقيد.
لقد عدت فجرا ذات مرة حتى وجدت كوخنا متمثلا في كومة من الركام. لم أستوعب الأمر في البداية وظننت أن الحشيش والشراب قد لعبا بدماغي أكثر من المعتاد، لكنني إكتشفت أن الأمطار والرياح قد حطمت الكوخ الذي لم يصمد طويلا. وإكتشفت بعدها أن أمي تحت الركام، ميتة، دون أن أودعها ودون أن تبوح بأمنيتها الأخيرة.
قامت بعض النساء بتغسيلها ومن بينهن تلك المرأة التي تحادثها صباحا والتي تجلب فقط الأخبار السيئة وأسامي الضحايا، ودفنها بعض الرجال في جنازة صغيرة، وأنا جالس على صفيحة ترنيت كعصفور في العاصفة أقبل العزاء. أول ليلة دون أمي لم تكن مرعبة كما كنت أظن، لكنها كانت دون زمن ودون طعم. شربت وقتها ستة عشرة زجاجة بيرة وزجاجتي شراب أحمر، وبكيت لأول مرة في حياتي دون توقف. حاول أصدقائي التخفيف من حزني لكنني مسكت زجاجة من عنقها وكسرتها على حجرة وهددت كل واحد يقترب مني، لقد خافوا وتراجعوا وتركوني وحيدا قرب المقبرة. إنتابتني موجة من الذعر المخلوط بالحزن، الأمر الذي جعلني أصيح وأهدد تلك العجوز التي لا بد وأنها هي من فعلت ذلك.
لكن العجوز لم تظهر أبدا، فكرت أنها نادمة على فعلتها تلك، وربما هي تريد الإختباء حتى تهدأ الأجواء وتخف الرغبة في الإنتقام، وربما لأنها غير موجودة من الأصل. وجدت أنني الآن سجين أفعالي ورغباتي، لقد كنت في بعض الأحيان تلك العجوز. نعم، لقد أنهيت حياة شخصين منذ مدة قبل أن أعود إلى الكوخ فجرا.
لقد كان الأول بائع حشيش يدعى عرعار، لا قيمة له في العالم غير أنه يتاجر في الحشيش طوال عمره بعد أن كان أبوه وقبله جده يفعلون ذلك. هو يجلب سلعته من بعيد عبر طرق مختلفة وحيل متنوعة، ويوزعها في المنطقة بالتفصيل.
داهمتني فكرة أن أبيع الحشيش أنا أيضا، فتجارته مزدهرة دائما ومرابيحه يمكن أن تنقذني من السقوط في قاع الإحتياج. لكن لا يمكن ذلك وعرعار يسيطر على التجارة هنا، لذلك يجب أن يتوقف عن ذلك أو أن يهجر المنطقة إلى الأبد. لكن عرعار رجل سيء الحظ، لم يختر أحد الفرضيتين ولكنه واجه التهديد بتهديد آخر. حرضت جماعتي ووعدتهم بنصيب هام من المرابيح إن ساعدوني في الوصول إلى الهدف. شحذت سكيني كالعادة وتوجهت نحو الكوخ الذي يعيش به، وقفنا بالخارج وأحكمنا غلق باب الكوخ بشده بعمود يمنع صاحبه من الخروج. سكبت البنزين على السقف وعلى الجدران، ورميت عود وقيد كان بين إبهامي وسبابتي حتى إندلع حريق لا يعرف فاعله ولا صاحبه ولا أي شيء.
في الصباح تفشى الخبر بين الناس كالنار في الهشيم، الخبر هو إحتراق كوخ عرعار بالكامل. قال بعضهم أن السبب هو سقوط الفتيلة على فراشه وهو نائم، وقال البعض الآخر أن الخراء لا ينتظر منه غير الروائح الكريهة وأن عرعار قد لقي مصيره المنتظر. وقال آخرون لأبناءهم أن الفاعل هو تلك العجوز التي تغادر كوخها ليلا وتعود قبل الفجر بعد أن نفذت مخططاتها. تيقنت وقتها أن العجوز غير موجودة، وأن الحقد الدفين في صدور الناس يمكن أن يحول أي شخص إلى تلك العجوز.
أما الشخص الثاني الذي أنهيت حياته هو الشيخ حمدة، والذي ذنبه الوحيد أنه كان متواجدا في مكان وزمان غير مناسبين. كنا نسهر في أحد الزقاقات المظلمة، نقتنص الرجال والنساء وكل من يشتبه في حمله لشيء يمكن إفتكاكه، نختفي في الظلام ونستشعر إقتراب أحدهم فنلتزم الصمت حتى يصل. عندها نظهر له كالاشباح، نطوف حوله فيبكي ويصيح ويتوسل، ثم يقوم بإفراغ جيوبه دون أن نتفوه أو يتفوه هو بكلمة واحدة.
لن يأتي أحد لإنقاذه حتى لو سمعوا الصياح، لن يضحي أحد بحياته من أجل إنقاذ غيره، إذ يجب أن يقتنع بالقدر وحده فيتداول الخبر في الغد بين الناس دون قوانين تظبطه. هذا هو سبب خراب البلد ودماره، الكل يريد قصف الكل، لا أحد يريد إنقاذ غيره، كلهم يفكرون في حياواتهم النفيسة، وحين يقعون في الفخ يتوسلون ويطلبون الرحمة دون إستجابة.
مر الشيخ حمدة من هناك ذات ليلة، لا أدري أين كان وإلى أين هو ذاهب، كما لا أدري كذلك أنه الشيخ حمدة الذي خيره علينا كثير حين كانت أمي معي في الكوخ. كان لا يفوته رمضان أو عيد فطر إلا ويعطينا قفة مؤونة تكفينا أسبوعا كاملا، وتكفينا لشهر تقريبا إذا أحسنَا التصرف. كنت قد دخنت الكثير من الحشيش وقتها وشربت قارورتي شراب أحمر، لم أكن واعيا أبدا، لقد صرت تاجر حشيش في المنطقة دون منافس، أصحابي صاروا مساعدين يزودون الناس بها ويقبضون ثمنها ونصفي حساباتنا آخر السهرة.
كنت جالسا على حجرة حتى إقترب الشيخ حمدة، يهرول بعصاه الغليظة، وبسرواله الأبيض الناصع في ذلك الظلام، لقد تجمعوا حوله وبدؤوا في ركله وشتمه دون رأفة ودون أن يتكلم. لم أفكر كثيرا، لقد أمرتني النشوة بسحب سكيني من جيبي ووضعها على رقبته، فعلت ما فكرت به، لكنني وضعتها بقوة وسحبتها نحوي حتى سمعت شخيرا دون أن أعلم أنني ذبحت الشيخ حمدة الذي لم أعاكسه يوما ولم يسمع مني كلمة سيئة أبدا.
حين بدأت السكرة في التلاشي تيقنت أنني فعلت ما لم تفعله الثعلب بالدجاجة، إستوعبت معلومة غير منطقية، لقد ذبحت الشيخ حمدة. لكن الحاصل هو أن الأمر قد حصل، واللوم بعد القضاء بدعة كما كانت تقول أمي والمهم وقتها هو التخلص من الجثة ودفنها مع الحقيقة في نفس الحفرة. وذلك ما عملنا عليه إلى غاية الفجر، وساعدنا الحظ بهطول أمطار غزيرة ذلك اليوم، مما عادل بين التراب القديم والتراب الجديد، حتى إنمحى أثر الحفرة. رحم الله الشيخ حمدة، وأتمنى أن يسامحني أمام الله لأنني لم أقصد ذلك، بل قال لي أحد أصحابي أنني ساعدته في هجرة هذه المنطقة وأفعال أصحابها إلى الأبد.
بدأت شيئا فشيئا أتعود على غياب أمي، لقد تعودت على ذلك بفضل الإنتشاء منذ ان أستيقظ إلى أن أنام، أحشش وأشرب البيرة دون إكتفاء حتى تيقنت في نهاية المطاف أن غيابها هو الذي تعود علي. أشتاق كذلك للقطة عمروشة التي غلبت جيناتها جينات الذكور الذين جامعوها، فأنجبت قططا كثيرة تشبهها ولا تشبه آباءها، تعجبني عمروشة لأنها هزمت الطبيعة وفرضت نفسها وجيناتها على الذكور، حتى أنجبت نسخا منها، فكل مكان أتواجد به إلا وأجد عمروشة هناك، إما تقتنص فأرا أو تلعق يديها وتمسح وجهها أو ترفض التزاوج من قط. أبناءها لا يعرفونني أبدا ولو كانت هي حية لإقتربت مني ولقفزت في حضني كعادتها، تبحث عن الدفئ وعن من يفرك وبر رأسها. لكن أبناءها ينظرون إلي نظرة غير عادية قبل أن يهربوا، هي ثوان قليلة يدققون في وجهي دون تحريك جفونهم، ثم يقفزون ويتبخرون في الهواء.
ها قد تقدمت الأعوام دون أن أشعر بها، ولم أدخر شيئا في هذه الحياة فقط بيت صغير ملقى بآخر الحي الذي حل محل الأكواخ، وجريمتي قتل أتحمل وزرهما إلى يوم الدين، هذا وقد تركت المنطقة في فترة ما دون تاجر حشيش وفي وقت آخر دون تاجر دين أو بالأحرى دون الشيخ حمدة الذي أقنعني أن أقتل عرعار الذي يبيع الحشيش، وقال لي أن عرعار مصيبة، وحلال قتله وتخليص الناس منه.
تحميل ..