rachid tahiri @rachid_8

2018-08-03 23:01:56 للعموم

البايرة الفصل الأول: اللقاء

"... الإنسان يحب الحقيقة حين تكون صالحة له وتراه عند ذلك يطالب بها ويترنم بمدحها ويلعن مخالفيها وهو يستمر بذلك مادامت الحقيقة بجانبه ولكنها لا تكاد تتحول إلى جانب خصمه حتى يبدأ بالنظر إليها من زاوية أخرى ونجده حينئذ يراوغ ويداور ويبحث عن الأدلة التي تقلل من شأن تلك الحقيقة وقد ينكرها إنكارا تاما في حال عجزه عن تفنيدها..." علي الوردي

هي: "الرجال قوامون على النساء" صدق الله العظيم، هكذا قالت وهي تجادل زوجها الذي راودها عن أجرتها الشهرية، لا أحد سمع تحاورهما يومها وهما في تلاسن وفوضى لا لاجم لهما.

هو : "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"، صدق الله العظيم، أنا قبلت بك وسمحت لك بالعمل على أساس التعاون معا...

قبل سنة من هذا الجدال.

هو: محمود رجل في العقد الرابع من عمره امتهن التدريس بعد أن أفنى عز شبابه في مستنقع البطالة، مضت عشرات السنين وهو يناجي حلم التوظيف إلى أن أتت الفرصة أخيرا.

كان نكرة غابرة لا يذكر له إسم والآن سجل إسمه في قائمة الموظفين وصار له رقم في سجلات المالية، ما إن توصل بمرتبه الأول حتى إقترن بعائشة زميلته الأستاذة التي إلتقى بها ذات صباح في مكتب المدير، لم تكن بشرتها الداكنة ولا ثقل ظلها حاجزا أمام رغبته في الظفر بزوجة موظفة تعينه على نوائب الدهر وتكالب الحكومة في رفع الأسعار.

بعد لقاءهما الأول سرعان ما تطور الحديث بينهما عبر الأثير لتتوطد العلاقة بينهما، فلم تكن الأمور معقدة كالمعتاد بحكم تقدمهما في السن ورغبة كل منهما في إصطياد الآخر، لذا فقد كان الوفاق بينهما في أعلى مراتبه، على الأقل قبل أن يطالبها بقسط من أجرتها...

لم يكن محمود يهتم كثيرا بالشكل والمظهر بقدر ما كان مهتما بإيجاد زوجة موظفة تعينه على بناء حلمه وتعويض ما فاته في سنوات البطالة العجفاء، يفكر المسكين في امتلاك شقة وسيارة وبعض الأشياء الأخرى، هو يعلم حق المعرفة أن راتبه هزيل ولن يدرك حلمه إن تزوج امراة مفلسة تثقل كاهله بالطلبات صباح مساء ظنا منها أنه يتقاضى أجرا جيدا يكفي لتلبية كل هواجسها ومتمنياتها الزائغة.

هي : عائشة فتاة ضاقت درعا بحياة العزوبية، وباتت تكره نفسها كلما نظرت في المرآة وتذكرت كل الكلام الذي يقال عنها، تكاد تصاب بالإكتئاب كلما تذكرت تعاليق أفراد عائلتها وهم يتساءلون عن موعد زفافها، "إمتى غنفرحو بيك"، هذه العبارة كانت كابوسا مرعبا بالنسبة لها.

لازالت تذكر حجم الحنق والغبن والغيرة التي غزت وجدانها يوم هاجمتها بنت عمتها ذات العشرين ربيعا والحديثة العهد بالزواج أمام العائلة، لقد نعتتها يومها بكل وقاحة "بالبايرة".

كانت عائشة تحس بنقص شديد كلما جمعتها ظروف العمل ببعض زميلاتها المتزوجات خصوصا أنها حاولت أن تمد جسور التواصل مع كل الزملاء الذين تعمل معهم ، كانت تحاول إغراءهم وإقناعهم بنفسها كزوجة بدءا بالأكثر إغراء وانتهاء بالأقل منهم إثارة للإهتمام...

وفي كل مرة كانت محاولاتها تبوء بالفشل، لم تكن تحصد إلا مزيدا من الخيبة مانحة بذلك لزملاءها مادة دسمة لتجاذب أطراف الحديث في المقهى كلما داهمهم الملل جراء الكلام حول مشاكل الترقية والشغب وتسلط المدير وغيرها من مواضيع رجال التعليم البائسة بؤس واقعهم المخزي.

لعبت عائشة منذ سنتها الأولى كل أوراقها في المؤسسة، وانتقلت بعد أن ضاقت درعا بالواقع للعالم الإفتراضي تتوسم فيه لنفسها عريسا ينقذها من نظرات المجتمع التي تنفذ إلى دواخلها كالرصاص.

كانت حائرة بين هذا وذاك، من موعد فاشل إلى آخر، ومن خيبة إلى أخرى كانت لاتزال إلى أن حل ذلك اليوم الذي قدر لها أن تلتقي بمحمود في مكتب المدير.

لم يكن إلا وافدا جديدا إلتحق بالمؤسسة لتوه إثر توظيف مباشر أعقب مرحلة مخاض سياسي مر به البلد.

محمود وهو يحادث المدير لم يكن مهتما لأمرها وهي التي ولجت لتوها إلى المكتب، لكن سرعان ما عرفهما المدير ببعضهما البعض لتبدأ الحكاية...

تحميل ..