حاجة الأثرياء للفقراء أشد: | مدارج

صلاح الدين السرسي @Dr-Ssersy

2018-08-03 13:31:04 للعموم

حاجة الأثرياء للفقراء أشد:

  يحكى أن صراعا اندلع في روما القديمة بين النبلاء وطبقات الشعب المطحونة، وكان نتيجة هذا الصراع أن ترك الفقراء المدينة ورحلوا جميعا عنها، وحطت رحالها على جبل، فلم يتحمل النبلاء غيابهم بعد أن تأكدوا وأيقنوا أن الدولة لا يمكن أن تقوم بدون هؤلاء الفقراء، الذين يكون منهم الجنود ومنهم الصناع ومنهم الزراع، فقرروا أن يرسلوا إليهم رجلا حكيما، كان فقيرا فاغتنى وانضم للنبلاء. خاصة بعد أن تناهى إلى سمعهم أن الفقراء يزمعون بناء مدينة خاصة بهم ليس فيها أحد من الأثرياء الكسالى المتطفلين ولا من الموظفين الفاسدين.

وذهب الرجل إليهم وابتكر صورة مجازية لإقناعهم بالعودة فقال: إن أعضاء الجسم غضبت ذات يوم من المعدة، التي لا تفعل شيئا غير التلذذ بما طاب من الطعام، فاتفقوا على معاقبتها فكفت الأيدي عن نقل الطعام إلى الفم، ولم تعد الأسنان تقطع وتمزق وتطحن وتمضغ شيئا، فما كان منهم إلا أن وجدوا أنفسهم بعد مدة وقد هزلت أجسامهم، وفقدوا القدرة على الحركة، وأشرفوا على الموت، وهنا أدركوا أن المعدة حين تهضم، وإن تلذذت، فإنها تمنح كل الأعضاء قوة جديدة.

هذه الاستعارة أثرت في نفوس الفقراء وخدعتهم وكادوا أن يهموا راجعين معه، لكن فجأة انبرى رجل رث الثياب من بين الجموع الهادرة، وتقدم حتى صار في المقدمة، وقال: وحيا الرجل وقال له: لقد تحدثت عن المعدة والأعضاء فأحسنت، فأقنعت الناس بإمكانية قبول حياة الأثرياء الفارغة، لكن دعني أعرض القصة بشكل آخر، فنحن عامة الناس لا ننشغل بتنميق الكلام. وحكايتي هي أن أعضاء الجسم قد تصارعت على من يصير منها ملكا، فقال العقل: أنا الذي أفكر وأوجه، فالمُلك يجب أن يكون لي. وقالت اليد: أنا من يعمل، ويعد النقود، ويطعم، فأنا الملك. وانبرى القلب قائلا: أنا من يضخ الدم في الجسد وإن توقفت توقف كل شئ، ولذا لا يجب أن يكون الملك لغيرى. وقال العضو التناسلي أنا المعنى بالإنجاب، وإلىَّ يرجع الفضل في حفظ نسلكم، فضلا عن منحكم اللذة والسعادة، فالأمر يجب أن يسند إلىَّ. وقدم كل عضو ما يسوغ به حيازته للملك، ونسى الجميع المؤخرة، ظانين أنها لا فائدة منها، فغضبت وقررت عقابهم، فأضربت عن العمل حتى سرى السم في أوصال الجسم، وهنا تعطل العقل عن التفكير السليم، وتراخى القلب في أداء مهمته، وكلَّت الأيدي والسيقان وراحتا ترتجفان، وتراخى العضو التناسلي، وصار كل جزء من الجسم في حالة يرثى لها. وقبل أن يتوقف الجسد عن العمل، وتفارقه الحياة، تنادوا فاجتمعوا ليناقشوا أمرهم بأصوات واهنة من شدة الهزال، ووجدوا أن لا حل أمامهم سوى أن يقروا بأن المؤخرة تستحق المُلك، ولا شىء غيرها، وهو ما كان في نهاية الأمر.

فهتف الناس معجبين بكلام الرجل الفقير، الذي ارتفع صوته وهو يقول لهم: «لا تتركوا أنفسكم للمخادعين الذين يبيعون لكم الوهم، واثبتوا على مواقفكم، فإن كان الأثرياء يروننا مجرد مؤخرة في هذه المدينة، فإنهم لن يحيوا من دونها، فارفعوا رؤوسكم، واتحدوا في وجه ظالميكم، ولتعلموا أن حاجتهم إليكم أشد من حاجتكم إليهم».

تحميل ..