وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2018-06-18 22:24:29 للعموم

العتمة هي الحياة

أنا لا أكتب صباحا أبدا، ليس لأن الصباح باعث على الأمل وأنا شخص يائس، أنا يائس بطبيعة الحال من الواقع ومن الفينومينولوجيا المزوّرة ومن نتائج الإنتخابات، لكنّي لا أكتب صباحا لأني لا أستيقظ صباحا أبدا. فالصباح بالنسبة لي هو زمن يجب أن ينقضي في العدمية فقط، الصباح مخصص للجنود المجاريح وللإداريين الذين سئموا عملهم وسئموا دفن الملفات في الأرشيفات. 
كتبت نصوصي في ظلام الليل الحالك على لمبة مغروسة في السقف تتدلى كمنتحر من عمق الأرياف، لا أمل له في الحياة أبدا، كما لا أمل لي في الصباحات. اللمبة بدورها تقضي الصباحات في النوم ولا تستيقظ إلا ليلا لتضيء المكان وتزيل العتمة من حولي، وأنا الآخر أحاول منذ سنوات إزالة العتمة من داخلي دون جدوى. أكتب ليلا عندما يموت الجميع، وبعد إنتهاء السهرات الصاخبة والمكالمات الهامة وبعد القذف في الأرحام وبعد عودة اللصوص وجفاف دموع اليتامى، وبعد أن يحترق الذباب والبعوض بحرارة اللمبة.
أريد أن أخبركم بسرّ تافه، وهو كيف أكتب نصوصي التي أحيانا تعجب العديد من الناس، وأحيانا لا تعجب أحدا بما في ذلك صاحبها. أنا أقيم بمنطقة ريفية معزولة عن الدولة، فنحن مصابون بوباء خطير لذلك يعزلوننا عن العالم.
لم يخبرني أحد أبدا عن ذلك الوباء بما في ذلك والدي رحمه الله، فلقد خطر بذهني بعد فترة من وفاته، أن هناك إحتمال أنه مات بسبب ذلك الوباء، لكني عدت إلى الوعي حين وصلت نار السيجارة إلى أصابعي وسقط رمادها على الأرض.
أنا أسرق الأحاديث من الناس دون أن أقوم بأي حركة مادية تورطني في السرقة، فالناس كتب مفتوحة لا نهاية لحكاياتها، قصص وأسرار وأخبار ووشايات تدور بينهم كالتمائم والأسحار.
أنا أنصت جيّدا إلى أحاديثهم وتضرّعاتهم وعرائضهم وإشاعاتهم وآراءهم، وإنتماءاتهم السياسية والفنية، وأشم روائح برازهم المخلوط ببقايا الوشايات والتقارير المنتهية ببروتوكولات رديئة من قبيل "مع فائق إحتراماتي" أو "لكم سديد النظر".
لقد سرقت نصوصي من أمّي التي تسرق المال من محفظة أبي، لتدخر البعض وتقتني بالبعض الآخر شعيرا للدجاج. كما سرقت نصوصي من الترجمة الفاشلة ومن الشروق والغروب، ومن لعاب الكلاب السائل على التراب ومن تحرّش أستاذ الفلسفة بطالبة غبية، ومن طيران العصافير المتجمعة في الطريق عند مرور حافلة التاسعة صباحا، ومن بنادق الصيد المحشوّة بالموت، ومن البحر الذي يقذف جثثا عوض أن يقذف السمك والكنوز والخرائط وعروسات البحر.
أنا لص محتال دون أن يعلم أحد ذلك، لأني لا أريد أن يكتشف أحدهم أمري.
فالناس العاديون يفعلون أشياء رائعة كل يوم، فهم يدرسون وينجحون ويفرحون ويعملون ويتقاضون أموالا مقابل كل ذلك، يصلحون الأحذية ويبيعون الروبافيكا ويصيحون في الأحياء وينتقمون ويشتمون السلطة والقضاء وينتقدون الفلاسفة والأنبياء والأمنيين، حتى الله ينتقدونه ويعترضون على أحكامه وعلى نواهيه.
لذلك لم يعد لي مكان بينهم أبدا، ظننت أنني مميز في مجتمع يشتم اليمين وينتخبه، كما ظننت أنني عبقري وصاحب مبدأ في الحياة، وأنني شاعر يميل إلى النثر، يسخّن الشعر حتى ينصهر ويسلبه من قوافيه ومن بحوره ومن التصريع والصور الشعرية والمجاز.
شاعر لا يكتب إلا النثر المخلوط بأسلوب الحكايات التقليدية الدائرة في الأنهج والزقاقات وعلى أسطح المباني، أين يربّى الدجاج والأرانب والحمام، وأين تلد القطة صغارها دون خوف من الكلاب الجائعة. أسلوب كلّه سرد ووصف وإطناب في رسم المشاهد، دون أن يكون للنصوص قارئ جدّي يحلل ويشرب من القنينة كلما ينهي صفحة أو فقرة، تماما كجندّي يرسم حبيبته ولا يعلم أن موته ليس بعيدا عن إتمام اللوحة أبدا، بل ينتظره خلف اللمسات الأخيرة وخلف الإمضاء والتاريخ، متربصا به كإرهابي شحذ سكينه وينتظر خلف الباب.
هكذا يكون في نظري التسلسل الزمني للأحداث، وهكذا تكون قاطرة الأفكار، تحمل أطنانا من البضائع دون أن تختار الوجهة أبدا.
أنا مستعد للإعتراف وها أنا أخرج يديا من جيوبي إن كنتم تريدون وضع الأصفاد، لكن ما لا يمكنكم فعله أبدا حتى بالتحقيقات والوعيد هو حجز المسروق. فالمسروق كالوباء، لقد إنتشر بين الناس ولا يمكنكم السيطرة عليه أبدا، إذ لا يمكنكم السيطرة على حرائق الغابات ولا على الزلازل المفاجأة.
وأريد بالمناسبة أن أعترف بكثير من الأمور، أهمها مشاكلي مع الأنتروبولوجيا وما يسكنها من أبعاد مختلفة ومتفاوتة، كالفنانين والعمال وأباطرة السياسة، وخاصة وزراء الله في الأرض: رجال الدين كرّم الله وجوههم ورضي عنهم وأرضاهم.
هؤلاء أعاني من هرطقتهم التي تعدم الإبداع وتفقد إيتيقا التفكير من جوهرها، هؤلاء يبيحون ويمنعون ويحرّمون ويحلّلون ويؤلفون كل ما يحلو لدى مسامعهم وبين أسنانهم الصفراء التي تقطع صفائح الحديد إلى أجزاء متفاوتة الحجم.
رجال الدين معظمهم شواذ، معظمهم أرخوا سراويلهم في الطفولة لسفّاحين في الزقاقات المظلمة وفي الأبنية المهجورة، لذلك هم يشتمون الناس ويحرّمون أفعالهم ويتخيّلون العلم نكاحا والعصا قضيبا والبطيخ مؤخرة. هم الذين دمروا حياوات كثيرة، بلحيهم وبعماماتهم ومؤخراتهم ذات السوابق. هؤلاء اليوم هم الآمرون، وهم العلماء والناهون عن المنكر ومقتنصو المارقين عن خططهم وسياساتهم ومخططاتهم.
هم جاؤوا بفضل الديمقراطية وبفضل صندوق الإنتخابات، لهم الشرعية ولهم الجماهير، وليس لي في المقابل غير اللمبة التي تضيء ظلام الليل.
لقد كتب صديقي الشاعر المغربي محمد بنميلود، في قصيدته "جينات سيئة"، ذات مرّة، ناقدا الأوضاع وما يسود المجتمع من دمار شامل، قائلا:
"لن يفهموا أبدا كيف تتفوّق الجريمة دائما على القانون
كيف تصل سيارة الإسعاف كل مرّة
بعد فوات الأوان
كيف يرتدي الشر بذلة الضابط السامي
وكيف تأتي العدالة من الشارع الخلفي
حاقدة
كإرهابيّ".
هم لن يفهموا أبدا ذلك، ولن يفهموا المعاني والصورة الشعرية، وربما ليست هناك صورة شعرية من الأصل، لذلك هم يحاصرون المبدعين والمتمرّدين والثائرين. وأقصد بالثائرين أولائك الذين يشربون من القنينة مباشرة دون الإعتماد على الكأس، والذين يقررون تمزيق ما كتبوه طيلة أشهر، والذين يبصقون في وجه المحافظين، وغير المعترفين بالضرائب وبالعدالة السوداء وقاتلي القطط وغير النمطيين والخاضعين.
لن يفهموا كيف للتراكمات أن تصقل سفاحا من إنسان عادي كان تلميذا نجيبا يأتي في الوقت، كما لن يفهموا كيف يمكن لآدمي أن يشحذ سكينه ويدسّها تحت حزام سرواله ويسحبها ويغرسها في الحناجر والصدور. وكيف له أن يخرج موس حلاقة من فمه ويرسم ندوبا على وجوه بريئة وغير بريئة، فقط لأنه كان يطمح لأن يكون رساما ذا شأن في هذا العالم، لولا الأقدار وقلة ذات اليد.
لن يفهموا أبدا ذلك، بل سيسعون إلا وضع قوانينهم لمحاصرة الناس وتصفية الحاقدين عبر التحريض والمحاسبة والتجاهل والإتهامات، وإطلاق العنان للأذون القضائية وللمداهمات الأمنية بتعلة خرق القانون الذي لا يطبق إلا على النمل الصغير والمسكين.
خرق قوانينهم التي تصاغ كل يوم من أجل إسكات الناس وتكييف التوعية والنقد والتثقيف كأعمال إجراميّة تمس بالشأن العام، تاركين أمور التنمية والتشغيل والإرهاب والعدالة دون عناية، لأنها أمور تحدث في أقوى الدول.
هكذا أكتب ليلا بعد أن أجمع أفكارا من الناس ومن الظروف، مع اللمبة، أحاول دائما إزالة العتمة مع أنه أمر صعب. لكن حتى مع بقاءها، يظل التوهج يخترقها ليدل على وجود كائن حي بالجوار.

وسام عجنقي
صفاقس في 15 جوان 2018
تحميل ..