Walid El Astal @walidelastal

2018-06-12 23:21:54 منشور معدل للعموم

الرّيح الشتويّة.. مبارك ربيع

يلاحظ عند كلٍّ من عبد الكريم غلّاب و مبارك ربيع أنّهما يكادان أن يكونا مؤرّخَين للأحداث السياسيّة الكبرى الّتي مرّت بوطنهما و خصوصاً في فترة الإستعمار الفرنسي و النّضال الجماهيري الطّاغي من أجل إزاحته. فعبد الكريم غلّاب يكتب عن مدينة فاس في(المعلّم علي) و عن عهد الإستعمار، و بدء تكوين النّقابات الوطنيّة في هذه المدينة، و مبارك ربيع يتحدّث في (الرّيح الشتويّة) عن حيّ للمهاجرين يقع على مقربة من (الدّار البيضاء) و كيف بدأ هذا الحيّ بالتحرّك و تكوين التنظيمات النّقابيّة داخل المصانع الّتي يعمل بها أبناؤه، و في فترة الإستعمار الفرنسي أيضاً.

هذان الكاتبان المحافظان-إن جاز لي أن أستعمل هذا المصطلح- قد قدّما صورة مشرقةً عن مرحلةٍ من مراحل كفاح شعبهما، و لا يفوتني هنا أن أشير إلى أنّ مبارك ربيع و عبد الكريم غلّاب ينتميان إلى تيّارٍ حافظ على تقاليد القصة الرّواية المتعارَف عليها و هي التقاليد التي اصطلح على تسميتها بالكلاسيكيّة. بخلاف التيّار التيّار المتطرّف في دعوته للتجديد في القصّة و الرّواية المغربيّة، و هذا التيّار لم يتطرّق إلى مثل هذه الموضوعات، و كانت الموضوعات الّتي تناولها ممثّلوه تتعلّق بوضع المثَقَّف المغربي في مرحلة ما بعد الإستقلال و المشاكل الجديدة التي يواجهها سواء في العمل السياسي أو العلائق الإجتماعية المعقّدة و المتشابكة.

و في هذا الموضوع سأخصّص حديثي عن رواية (الرّيح الشتويّة) لمبارك ربيع و هي روايته الثالثة المنشورة على حدّ علمي بعد (الطيّبون) و (رفقة السلاح و القمر).

على مقربة من مدينة الدّار البيضاء يقع حيّ المهاجرين و قد أطلق عليه اسم (الكريان سنطرال) و هؤلاء المهاجرون نزحوا من الرّيف مخلّفين وراءهم مزارعهم و بيوتهم التي أجبرهم المستعمرون على تركها.

في بداية الرواية نتعرّف بشكل مُكثَّف على أحد هؤلاء المهاجرين و هو العربي حمدوني الذي فرّ إلى هذا الحيّ وحده أوّل مرّة ثمّ لحقت به زوجته صفيّة بنت سويعد و ابنته و ولداه، و في حي المهاجرين(الكريان سنطرال) هذا هناك شقيق زوجته سعيد و ابن عمّه كبور.

و كل من قريبيه هذين يشكّل نقيض الآخر ففي الوقت الّذي يكون فيه سعيد عميلاً و مخبراً لدى السلطات الإستعماريّة و يعمل في التهريب فوق ذلك،، نرى (كبور) نموذجاً للمواطن المخلص الذي يريد أن يعمل شيئاً من أجل وطنه ضدّ المحتل، و لذلك فإنّه أحد العناصر التي تعمل على إيقاظ المواطنين في الحَيّ و كذلك العمّال في معمل السكّر من أجل أن ينتبهوا لما هو حاصل و إلى الإستغلال الّذي يتعرّضون له.

حي (الكريال سنطرال) يعجّ بالنّماذج البشريّة الحيّة، فهناك(المذكوري) مثلاً الذي كان صديقاً للعربي الحمدوني و الذي هاجر قبله إلى المدينة في انتظار أن يحصل على أرضه الّتي سُلِبَت منه هو الآخر، و لكنه عندما يعجز عن ذلك يجنّ و تصبح أزقّة الحيّ مأواه هو و أسماله و صراخه.

و هناك أيضاً (عائشة العرجاء) التي لا هَمَّ لها إلّا الحصول على الرّجال، و كلّما حصلت على أحدهم سرق أموالها و هرب منها، و أموالها تأتيها بكلّ الوسائل التي تقدر عليها بدءاً من البيع و الشراء و انتهاءاً بالعمل كقوادة لجنود الإستعمار تغري لهم فتيات الحيّ و توظّفهنّ لديها.

و يستطيع المؤلّف أن يرسم لنا حركة الحياة في هذا الحيّ و هموم قاطنيه و طقوسهم في الفرح و الحزن و العمل و الطعام و الجنس...إلخ. بشكلٍ يدلّ على قدرة و وعي في فهم حياة هؤلاء النّاس.

إضافة إلى كلّ هذا نجد الكاتب يلجأ مُضطَرّاً و أقول مضطرّاً لا دفاعاً عنه و لكن هكذا لمستُ و أحسست، يلجأ إلى استعمال الكثير من المفردات المَحَلِّيَّة المغربية التي تؤدّي مهمّتها التعبيريّة على أتمّ وجه، و هي ليست كثيرة للدرجة التي قد تجعل الرواية صعبة الفهم على القارئ العربي الذي ليست له أيّة معرفة باللّهجة الدّارجة المغربية، و مع هذا كان بودّي لو أنّ الكاتب قد وضع تفسيراً لمعاني بعضها ضمن هوامش في صفحات الرّواية أو يثبتها في جدول يضعه في آخر الرواية كما فعل الروائيّان التونسيّان محمد العروسي المطوي و البشير بن سلامة في روايتيهما: حليمة و عائشة.

و لم تمض الحياة رتيبةً في الحي و نجد أن وصول آثار الحرب إلى المغرب قد انعكس أيضاً على هذا الحي، فالمحامي((موهوب)) الذي كان العربي الحمدوني قد أوكله في قضيّة استرجاع أرضه يذهب إلى ساحات القتال باِعتباره قبطاناً بالجيش الفرنسي، و تظل قضية أرض العربي الحمدوني عالقة.

يبدأ القسم الثاني في الرواية بملاحقة صفية بنت سويعد بعد وفاة زوجها العربي الحمدوني و ما يحصل لها هي و ابنتها و ولدها.

و نعرف أنّها أخذت تعمل في معمل السردين هي و ابنتها من أجل أن تكسب عيشها.

و لكن حياة صفية لا تمرّ بسلام بل يطرأ عليها ما يُخَلخِلُها و ذلك عندما تقرّر أن تعلّم ابنتها الخياطة بدلاً من العمل في معمل السردين، و قد جاء قرارها هذا باِقتراح من زميلةٍ لها في المعمل، و تتعهّد عائشة العرجاء بمراقبة البنت(خدّوجة)، و تكتشف الأمّ أنّها كانت تحاول أن تستخدم البنت في بيع جسدها. و تجنّ الأمّ من ذلك، و تذهب إلى ابن عمّ زوجها (كبور) لتشرح له الأمر و كذلك لأخيها سعيد و هو الوحيد من بين سكّان الحي الذي لم يتأثّر بما حصل من مجاعة و بؤس نظراً لكونه أحد خَدَم الإستعمار و جواسيسه و لكونه يعمل في تهريب البضائع و المواد الغذائيّة أيضاً.

و يتّخذ(كبور) قراراً باِحتضان البنت و ضمّها إلى إلى بيته كأنيس لزوجته لأنّهما لم يُرزَقا بأطفال من قبل و تتقبّل صفيّة القرار بِفَرَح.

و هنا يبرز الخط السياسي في الرواية و يتّضح أكثر فنرى أنّ (كبور) مثلاً كان أحد الزّعماء الذين يدعون لتكوين نقابات وطنيّة للدّفاع عن حقوق العمّال المغاربة، و نرى أيضاً أنّ المنشورات و الصحف و الحلقات التثقيفييّة قد بدأت تشكّل علامة بارزة في الحي، الأمر الذي أثار حفيظة المستعمرين الفرنسيّين و راحوا يبثّون أعوانهم في الحيّ ليعرفوا المحرّكين لهذه الأحداث.

و يلقى القبض على كبور و يودع السّجن مع رجال آخرين، و تتمّ المصادمات بين أعوان النظام و سكان الحي و يسقط قتلى من الجانبين، و هكذا تحدث اليقظة و هي إن لم تنته في الرواية بخروج الإستعمار، و لكنّها كانت تؤشّر كمخاض لليقظة الكبرى، يقظة التحرير.

و يعيش العربي الحمدوني حُلم استعادة أرضه من جديد و هو يحمل في جيبه الوثائق التي تثبت ملكيّته لها، لذا يبحث عن محامٍ يقوم بطرح قضيّته على المحاكم. و يعثر على محامي عربي اسمه((موهوب)) كان قد نزحَ من الجزائر و عاش و تعلّم في ظلّ المستعمرين، و انضمّ للجيش الفرنسي برتبة ضابط قبل أن يحصل على شهادة المحاماة و الإستقرار للعمل في الدّار البيضاء.

و يصوّر لنا الكاتب حالة هؤلاء الفلّاحين البسطاء و هم يقعون بين أيدي أشخاص نصّابين يوهمونهم بأنّهم محامون و سيتولّون الدفاع عنهم، و لكنّهم يأخذون نقودهم و يهربون بها.

يلاحق الكاتب الحياة في هذا الحي البائس(الكريان سنطرال) حيث الأكواخ و البؤس و الجوع، و لكن السكان يسرقون مع هذا لحظات الفرح سرقة، و لعل أجمل ما صوّرَه الكاتب منها هو الإحتفال بمقدم صفيّة بنت سويعد زوجة العربي الحمدوني، و انطلاقة الرّجال مع كؤوس الخمرة و النّكات التي يتبادلونها متحَدِّين بها بؤسهم و عذابهم.

يسلم العربي الحمدوني أوراقه الثبوتية في امتلاك الأرض إلى المحامي((موهوب)) الذي يُظهر تعاطُفاً معه، ثمّ يلجأ للعمل في معمل السكّر في انتظار الحصول على نتيجة حول أرضه.

و لكن المفاجأة تأتي عندما يُخبره المحامي أنّ هناك وثائق قد زوّرت بعقود بيع وهميّة أصبحت أرضه بموجبها ملكاً لأحد المستعمرين الفرنسيّين.

و لا يعرف العربي الحمدوني كيف يتصرّف و قد عاش الحلم الجميل في إمكانيّة الحصول على أرضه و العودة إليها ثانيةً، و يعود المحامي ليقدّم له عرضاً بقبول تعويض مالي يستطيع به أن يشتري له مسكناً في المدينة و بالباقي يمكنه أن يجد له متجراً صغيراً أو أيّ عملٍ آخر يتيسّر له.

و لكن العربي الحمدوني يرفض هذا، و يتعهّد له المحامي بأن يواصل الدفاع عنه حتّى يكشف عن الّذين زوّروا وثائق البيع.

يواصل الدفاع عنه متى تضع الحرب أوزارها ، و عاد إلى عمله ثانيةً، و أنّه قد احتفظ بأوراق القضيّة في مكانٍ أمين.

أمّا على أطراف الحيّ فيعسكر جنود من البلدان الإفريقيّة التابعة لفرنسا في انتظار أن يُرسَلوا إلى الحرب، و تُفتح لهؤلاء الجنود المباغي في المدينة، و تقوم عائشة العرجاء هي الأخرى بتحويل بيتها إلى مبغى لهؤلاء الجنود الأفارقة، و لم يستطع السكان أن يحتجّوا خوفاً منهم، كما أنّ عائشة تستطيع أن تُسكِت البعض منهم بإعطائهم النقود و الأطعمة لسدّ جوعهم و حاجتهم نتيجة لتوقّف العمل و قلّة الموارد و سيطرة المستعمرين على كل القوت من سُكَّرٍ و طحين...إلخ، و لكن المجاعة تحصل و الجوع بدأ يلقي بظلاله على الجميع.

و عندما تعود المعامل إلى العمل من جديد-و كلّها مملوكة من قبل الفرنسيّين- ينضمّ العربي الحمدوني إلى العمل مع ابن عمّه كبور في معمل السكّر و يترك بيع الحبوب الّذي كان يمارسه إذ لم تعُد هناك حبوب حتى يبيعها.

و من عالم الحي الكبير إلى عالم المعمَل الصغير يواجه العربي الحمدوني و هو القروي الساذج بأمور لم يكن يعرفها، فنجد مثلاً أنّ شابّاً فرنسيّاً يعمل في الإشراف على العمّال يحاول أن يستدرج العربي الحمدوني ليضاجعه بعد أن يلفت نظره جسده البدائي القويّ، و لكن العربي الحمدوني لا علم له بمثل هذا الأمر فيفِرُّ مذعوراً و ينال عقوبة على عمله هذا تمثّلت في الطّرد لمدّة أسبوع، و بعد أن يرجع للعمل يُنقل إلى مكانٍ آخر في المعمل و هو قسم الميكانيك، و هناك تكون خاتمة حياته حيث تسقط عليه آلة حديديّة كبيرة كان يعمل مع آخَرين على نقلها إلى مكانٍ غير المكان الذي كانت فيه.

ينتهي العربي الحمدوني مخلّفاً وراءه زوجته و طفليه و حلمه الذي لم ينطفئ في استعادة أرضه من غاصبيها.

أمّا عائشة العرجاء فتطرد الفتيات اللّواتي كُنَّ يعملن عندها، و تعلن على مسمعٍ من سكان الحي أنّها تابت إلى ربّها. و يأتي عملها هذا بعد أن يتمّ نقل العساكر إلى ساحات القتال ضدّ الألمان.

إنّ مبارك ربيع في روايته رياح شتويّة قدّم لنا وثيقة فنيّة مهمّة عن نضال الشعب المغربي و مقاومة حيّ فقير للإستعمار بكلّ الوسائل التي توصّلت إليها أيدي أبنائه.

و على الرّغم من أنّ الرّوائيّين العرب و بينهم المغاربة أيضاً قد أصبحت لهم اجتهاداتهم في فهم الشكل الروائي و تجديده فإنّ مبارك ربيع لم يلتفت لهذا الأمر بقدر اهتمامه باِستيعاب الأحداث و توصيلها بالشكل الذي تصبح فيه قريبة من المتلقّي، و لم يجعل المتلقّي يعاني من صعوبة استشراف هذه الأحداث و تفسير دلالاتها، و هنا يكمن المأخذ الرّئيسي عليه.

و لكنّني مع هذا أقول أنّ هذا النّوع من الرّوايات يجب أن يُكتَب، و وجوب كتابته هنا لا من أجل تعميمه و لكن من أجل أن يكون الموروث الرّوائي في هذا البلد أو ذاك جامعاً لكلّ الأشكال، و لكلّ الإجتهادات، و أعتقد أنّ الرواية المغربية لو خَلَت من أعمال عبد الكريم غلّاب و مبارك ربيع لما بقيت فيها إلّا أعمال ذات هويّة فنية واحدة و هي و إن كبرت أهميّتها فلا يمكنها أن تُقَدِّم نفسها و مبرّرها إلّا بوجود النموذج الآخر سواء أكنّا معه أو ضدّه حتى لا تكون قفزة في الهواء.

(أرشيف)

تحميل ..