وجبة سريعة | مدارج

rachid tahiri @rachid_8

2018-06-12 21:49:02 للعموم

وجبة سريعة

ليل الفيلاج يختلف كثيرا عن نهاره، يختفي المارة رويدا رويدا تماما كما يزحف البرد ليحتل الأزقة العارية.

ألوذ بجوعي إلى مقهى عتيق، يديره رجل يتقن الصمت كإتقانه للطبخ تماما، ولجت إلى المكان وشيء من الحنين يشدني إليه، إني لأستشعر بداخله دفئا وسلاما ينعدم في غيره من الأماكن الرخامية مهما علا شأنها، هنا ينبعث عبق يتعالى على الوصف، هنا ملجأ من لا ملجأ له، يجتمع فيه البؤساء من كل الأصناف يجرون جلابيبهم الرثة حاملين معهم ملامحهم التي تكالب عليها التوتر ونوائب الدهر.

في ركن قصي جهة اليمين تقبع حصيرة حصباء بالية تغطي أرضية إسمنتية باردة، فوقها جثة خلدت للنوم، التفت في غطاء مزركش عتيق و انكمشت على نفسها متخذة وضعية الجنين، فكرت : قد يكون عابر سبيل، أو شخصا آخر، من يدري ما قصته؟!

في الركن المقابل طاولات وكراسي مبعثرة، تطفلت على أحسنهن حالا وألقيت عليها وعلى كرسي بلاستيكي ثقل جسدي الواهن، باغتتني طفلة لولا القرطين المذهبين في أذنيها لحسبتها طفلا لقصة شعرها وخشونة ملامحها، ترتدي قميصا خفيفا وسروالا لا يكاد يستر عورتها، تبدو في صحة جيدة رغم ما تقاسيه من ويلات التشرد، مدت يدها تتوسل عطفي " عطيني درهم"، تعلمت فن الإستجداء جيدا، فغدت تتقن حركة مد اليد وكسر العين والكتف ككل المتسولين، تأملتها جيدا في صمت، أعادت نفس الكلام لمرات مع زيادة شيء من السرعة والإلحاح، انتبه إلينا صاحب المقهى، سخر من الموقف قائلا " شداتك الديوانة"، نظرت إليه صامتا...

حدق فينا لحظة، هم بقول شيء ما، أحجم عن ذلك ثم انغمس في إعداد ما جئت لأجله، عادت صديقتي تساومني، قلت لها لا أملك درهما،مازحتها قليلا ، آستأنست بلطفي فصارت أكثر حافزية وإلحاحا، في البداية كانت محترسة وحذرة، يبدو أنها قد ألفت النهر والطرد، جل البؤساء والبدو يحترفون الفضاضة، قلوبهم قاسية و يعتبرون اللطف جبنا وضعفا، هكذا أظن، لازمتني لمدة حتى صار صرفها دون نهر عسيرا، بحثث في جيوبي عن بعض الفكة، لم أجد شيئا، وعدتها بدرهم إن هي انصرفت عني، لا أدري ماالذي جعلها تصدق وعدي، تحركت بعيدا عني، أخذت هاتفي بين يداي، إنغمست في الكون الإفتراضي، الفيسبوك عالم آخر، لا حديث فيه إلا عن المقاطعة، والمقاطعة أنواع...

دخلت أم الصبية فجأة، تحمل في يدها قفة بلاستيكية فارغة، تساوم صاحب المحل على مكان لقضاء الليلة في مقهاه، أسلوبها فض ونبرة صوتها شبيهة بنبرة الرجال، لا أنوثة فيها، ملابسها رثة وبالية تجر صندالا بلاستيكيا رديئا، تبدو في الثلاثينات من عمرها، تنعم بصحة جيدة، ربما كانت هذه الصبية المجهولة الأب ضريبة عليها، سمعتها تشكي بخل رجال الفيلاج لصاحب المقهى، تجاذبا معا أطراف الحديث لفترة، لم أفهم كثيرا مما قالوا، كان الكلام مشفرا ومحيلا على أشياء أجهلها...

حانت اللحظة التي انتظرتها، صار الأكل جاهزا، انغمست فيه وانشغلت به عمن سواه، عادت الصغيرة إلي، تود أن أقاسمها طعامي، نهرها صاحب المحل، ربما خيل إليه أنها تزعجني، تجاهلته و منحتها قسما من طعامي، فرحت به وابتعدت، صادفت قطا، متسولا كان هو الآخر، توقفت عن المضغ أرقب لقاء المتسولين، ما أغرب هذه الحياة!!!

انحنت له وأخذت تطعمه القليل من اللحم الذي قدمت لها، أثر ذلك في نفسي، إنها نبيلة النفس معطاءة رغم ظروفها القاسية، كل هذه الويلات وكل هذا الحظ السيء!!!! لكن مع ذلك لازالت طيبة الروح ترحم وتحن، ما أعقد الظاهرة الإنسانية وما أعسرها على الفهم، دخلت في مسلسل تأملات وغرقت في أفكاري....

أنهيت طعامي ودفعت ما كان على ذمتي، وفيت بوعدي للصغيرة ودعتها وكلي أسف على حالها، تمنيت لها حظا موفقا في مواجهة مصيرها المحتوم في بيئة ومجتمع بدائي متخلف يأكل فيه القوي الضعيف، انصرفت في حال سبيلي ومشهد إطعامها للقط لا يراوح بالي...

إنه القليل مما يستره ليل الفيلاج من مواجع...

تحميل ..