ربيع في صيف ساخن.. عبد عون الروضان | مدارج

Walid El Astal @walidelastal

2018-05-31 10:07:17 للعموم

ربيع في صيف ساخن.. عبد عون الروضان

زمن(ربيع في صيف ساخن) ما بعد عام 1967 حيث حدثت نكسة العرب الكبرى في الخامس من حزيران من هذا العام، و بدلاً من أن تُوَجِّه الأنظمة القائمة يومذاك جهودها لإعادة بناء جيوشها و التهيّؤ لخوض المعركة مع العدوّ الصهيوني نراها تُمعن في قمعها لمواطنيها و مطاردتهم لا لسبب إلّا لأنّهم رفضوا الهزيمة و طالبوا بتعبئة الجماهير من أجل أن تأخذ دورها الحقيقي في معركة التغيير.

تدور أحداث الرواية في مدينة العمارة، و جُلّ أبطالها من المعلّمين المنتمين لأحد الأحزاب القوميّةـ و إن لم يُسَمِّ المؤلّف الأشياء بأسمائهاـ و هم يقارعون النظام و يرفضون الإذعان لجواسيسه اليوميّين المزروعين في الشوارع و المقاهي و كل المحلّات العامّة، و لكن عملهم أي الجواسيس لن يوقف التصدّي و إن لم نجد فعلاً يرمز لهذا التصدّي في الرواية.

من الواضح جدّاً أنّ كتابة رواية سياسيّة أمر ليس بالهيّن إطلاقاً لأنّ هناك أكبر خطر يهدّد مثل هذا النّوع من الكتابة و يتمثّل في المباشرة، و هذا ما لم يبرأ منه المؤلّف في روايته هذه، حتّى نراه يغرق فيها، و يسجّل على لسان أبطاله خُطَباً طويلةً في الوطنية و التصدّي و كيف حدثت نكسة حزيران، للدرجة التي ينسى فيها القارئ أنّه يقرأ رواية و يخالُ نفسه يقرأ خطبةً حماسيّة و هذا هو الجانب الذي أضعف الرواية و أوقعها في التقريريّة الثقيلة.

إنّ (ربيع في صيف ساخن) رواية لم تعتمد على تقنية حديثة، و لا على لغةٍ مُكَثَّفَةٍ دالّة، رغم أنّه يشير في نهايتها أنّه قد كتبها بين عامي 1974ـ 1981 أي أنّ زمن كتابتها استغرق سبع سنوات و هو زمن طويل لرواية جاءت و كأنّها كُتِبَت في أيّام.

لعلّ الجانب المضيء و المهمّ في الرّواية تمثَّلَ في قدرة المؤلّف على احتواء المكان الذي تحرَّكَ فيه أبطاله، و هو مقهى(داغر) في الغالب، حيث يشكّل هذا المقهى المحور الّذي يستقطب الشخوص و الأحداث، و من خلاله تبدأ الأحداث و تنطلق ليكون بالتالي الصوت و الصّدى معاً.

و هنا تبرز براعة المؤلِّف التي عرفناها في البعض من قصصه القصيرة الجميلة.

إضافة إلى الشخصيّات الأساسية المتمثٌلة في مجموعة المعلِّمين الرّافضين لنظام الحُكم آنذاك، هناك شخصيّات أخرى انتفعت من هذا النظام و اغتنت بسببه و استعادت مواقعها التي أفقدتها إيّاها ثورة تمّوز 1958، و أهمّ هذه الشخصيّات شخصيّة(داغر) الإقطاعي السّابق الّذي أصبح في ظلّ العهد الجديد رئيساً لجمعيّة فلاحيّة، و مالِكاً لمقهى كبير في المدينة، و مُهَرِّباً ما بين البصرة و العمارة و الكويت و له علاقات مريبة مع شخصيّات متنفّذة في العاصمة من مقاولين و سياسيّين و غيرهم.

و هناك أيضاً شخصيّة حامد ابن الإنجليز الّذي تربّى في كَنَفِهِم فكان وفيّاً لهم و حنينه الذي لا ينطفئ لأيّامهم لأنّها تُمَثِّل كلّ مجده الغابر و الصَّدِئ، و كان حامد هذا ما زال يحمل لقب(بِك) من بقايا عهود الإستعمار، و يجد فرصته في استعادة موقعه بالتعاون مع داغر في التهريب و شراء الشاي من التجّار و إخفائه لبَيعِه بأسعار مضاعفة.

و ينتهي كلّ هؤلاء و تكشف لعبتهم عندما تأتي الثورة، ثورة 17 تمّوز الّتي رمز إليها المؤلِّف بالرّبيع الّذي جاء في صيفٍ ساخن، فكان هذا الرّمز عنواناً للرّواية.

(ربيع في صيف ساخن) كان من الممكن أن تكون ممتنعة مكثَّفَة بعيدة عن التسجيل السّريع، و لكن عذرها أنّها تناولت جانباً من نضال شعب، و هذا ما يجعلنا نحتضنها بمَحَبَّة.

تحميل ..