الجسور الزجاجيّة.. برهان الخطيب | مدارج

Walid El Astal @walidelastal

2018-05-21 14:26:04 منشور معدل للعموم

الجسور الزجاجيّة.. برهان الخطيب

يُعتبَر برهان الخطيب من أوائل قصّاصي جيل الستّينات في العراق الّذين كتبوا الرّواية حيث ظهر أوّل عمل له عام 1968 (ضباب الظّهيرة).

لقد كان دخول برهان الخطيب إلى ميدان القصّة من خلال مجموعته(خطوات إلى الأفق البعيد) 1967.

و برهان الخطيب أحد القصّاصين العراقيّين الّذين لم يدرسوا الأدب دراسة أكاديميّةـ في البداية ـ و قد درس الهندسة و مارس العمل فيها ثمّ سافر إلى الإتحاد السوفييتي ليختصّ بالأدب و تخرّج من معهد غوركي للآداب، و انضمَّ للعمل كمترجم في دار التقدّم.

و برهان الخطيب شأنه شأن غائب طعمة فرمان ظلّ متمسّكاً بالبيئة العراقيّة و بالأحداث السّياسيّة الّتي مرّت بالعراق و لم ينقد للكتابة عن العالم الّذي يعيش فيه و يعايشه.

و إذا كان غائب طعمة فرمان يكتب عن إحدى المحلّات الشعبيّة في بغداد و أناسها فإنّ برهان الخطيب يتحرّك على مساحة عراقيّة أكبر. فعلى سبيل المثال أحداث روايته(ضباب الظهيرة) تدور في بغداد، و كذلك أحداث روايته الثانية(شقّة في شارع أبي نواس)، أمّا روايته الثالثة و التي سأتناولها في هذا الموضوع(الجسور الزجاجيّة) فتدور في مدينة الحِلّة، مدينة الخطيب نفسه.

و على الرّغم من تشابه تجربتَي فرمان و الخطيب الفنيّة و السياسيّة و ارتماء فرمان الأقوى في أتون السياسة فإنّنا نجد برهان الخطيب أكثر قرباً و أكثر إفصاحاً عن الموضوع السياسي في رواياته. في حين أنّ غائب طعمة فرمان يتعامل بحذر مع هذا الموضوع وهو غالباً ما يلجأ إلى ترميز الحدث السياسي، وهذا أمر يتعلّق بفهم كلٍّ منهما للموضوع السياسي المتداوَل و المتناوَل.

و إذا كانت(ضباب الظهيرة) رواية حُبٍّ و حيرة لا بدّ منهما، تقترب إلى حَدٍّ كبير من تسجيل تجربة ذاتيّة بحتة، فإنّ روايته الثانية (شقّة في شارع أبي نواس) ناقشت موضوعاً سياسيّاً يتعلّق بحوادث الفتنة التي أثارها الإستعمار في شمالي العراق و التي قام بها الملّا مصطفى برزاني، و قد ناقش الخطيب هذه الأحداث من خلال امرأة كرديّة تدخل العاصمة و تمتهن بيع جسدها.

في رواية الجسور الزجاجيّة تناول الخطيب موضوعاً أكثر حرارة و مثولاً في ذاكرة العراقيّين و يتمثّل في الشهور الأولى من ثورة 1958 و الصراع الّذي دار بين القوى الوطنية و شخصية عبد الكريم قاسم الذي استطاع أن يوظّف أحد الأحزاب السياسية العريقة و يجعله أداة بِيَدِه، لينفّذ ما يريده حتّى لو كان ذلك اعتداء على حزب سياسي آخر هو رفيق نضال لهذا الحزب في أشدّ الأيام حلكة و التي عرفها العراق أيّام الحكم الملكي.

يتناول برهان الخطيب في روايته هذه مجموعة من الشخصيّات المنتمية للحزب الشيوعي و منظّماته الواجهيّة التي أعلن عنها بعد الثورة مثل: الشبيبة، أنصار السلام، رابطة المرأة.

و يركّز الأحداث في طبيعة العلاقات المتشابكة بين الشخصيات فيها، فأحدهم مثلاً يهرب مع خادمة، و يلقى عليه القبض لاِنتمائه السياسي، و يتعهّد رفيق له بأمر هذه الخادمة و يبدأ بتعليمها و تثقيفها حتّى تصبح سيّدة واعية و عضوة في الحزب السياسي، و لكنّه يعاشرها في نفس الوقت كزوجة بعد أن سمع أنّ صاحبها قد لقي حتفه في السجن.

و لكن بعد الثورة يخرج من السجن و يأتي باحثاً عن صاحبته، و لكنّها تهرّبت منه فهو ما زال عاملاً بسيطاً في حين أنّ من تعاشره و يسمّى زوجها يعدّ قائداً كبيراً في الحزب و شخصية مؤثّرة و مرموقة.

هذا جانب من الأحداث، أمّا الجانب الآخر فيتمثّل في بحث أهل الفتاة عنها من أجل قتلها لخروجها على عُرف القبيلة و هروبها مع إنسان آخر دون عقد زواج.

و لم يدر بخلد أحد أنّ المرأة السافرة الأنيقة التي تحتلّ موقعاً قياديّاً في رابطة المرأة هي نفسها الخادمة الرّيفيّة التي هربت من بيت سيّدها الإقطاعي الذي سلّمها أبوها له لقاء مرتّب شهريٍّ ضئيل.

و باِزدياد تداخل الأحداث السياسية في العراق و انكشاف الوجه الدكتاتوري لعبد الكريم قاسم الذي لم يسلم منه حتّى الحزب الشيوعي نفسه الذي ناصره و ضخّمه يزداد تداخل العلائق بين الأبطال، فالمرأة تصرّ على البقاء مع من عُرِفَت زوجة له و تتهرّب من حبيبها السابق الذي أقدمت على الهروب معه، و يتوصّل أهلها إليها و بعد أن يشخّصوا مكانها و تحرّكاتها يُقدِمون على قتلها ببشاعة.

الرواية إذن هي رواية علائق إجتماعية مختلطة ولدت في ظروف سياسيّة مختلطة، فكان من الطبيعي أن تكون النهايات مأساوية و ساخنة.

و برهان الخطيب يدين من خلال روايته هذه كلّ الممارسات الخاطئة التي تقع على عاتق حزب معيَّن لعدم قدرته على استقراء الأحداث يومذاك و تماديه في توظيف ماضيه النضالي لخدمة فرد و معاداة أحزاب وطنية أخرى أسهمت في صياغة الثورة عام 1958 فكان أن دفع ذلك الحزب ثمن الخطأ الذي انقاد إليه.

ذاكرة برهان الخطيب مليئة بالموروث الشعبي العراقي، عادات و تقاليد و أمثال و كلمات، و لذلك فهو عندما يكتب يستخدمها كلّها من أجل ترسيخ الأرضية الإجتماعية لعمله، و هو بهذا الأمر ينجح نجاحاً كبيراً، و إن كنت أرى أنّ عراقيّته هذه قد لا تجعل الرواية سهلة القراءة و قادرة على الوصول إلى القارئ العربي هنا و هناك.

و هو عندما يُكثِر من استعمال مفردات اللّهجة العامية فإنّما يقوده ذلك إلى الإبتعاد و الإنغلاق عربيّاً، و لكنّه قد يجعله مقبولاً و ممتعاً بالنسبة لجلّ قرّائها من العراقيّين كما أُرَجِّح.

كما أنّ موضوع الرواية نفسه ظَلَّ في حدوده العراقيّة و إنّني أشكّ في أنّ قارئاً عربيّاً غير متابع للسياسة العراقيّة و وقائعها يستطيع أن يفهم دلالات الرواية التي تصبّ في حقيقة واحدة مفادها أنّ الوضع يتطلّب من الجميع التكاتف لا التطاحن، فبالتكاتف جاءت ثورة تمّوز 1958 وبالتطاحن انحرفت عن مسارها و تحوّلت إلى دكتاتوريّة جديدة قوامها القمع و الإرهاب.

في هذه الرواية كما في الروايتين اللّتين سبقتاها نجد برهان الخطيب أسير الواقعية التي وضع أصولها في الأدب العراقي قصّاصون من أمثال عبد الملك نوري و غائب طعمة فرمان و تبنّى الدفاع عنها و ترسيخها الحزب الشيوعي العراقي في أدبيّاته.

و لمّا كانت هناك واقعيّات و ليست واقعيّة واحدة فإنّ واقعيّة برهان الخطيب من الممكن وصفها واقعيّة انتقاديّة.

و هناك ملاحظة أخيرة تتعلّق بلغة(الجسور الزجاجيّة) هي أنّها لغة يوميّة، قريبة من لغة الحديث، و تبدو غريبة عن لغة روايته الأولى(ضباب الظهيرة) مثلاً إذا قارنّاهما، فتلك الرواية كانت نفحة من الحزن الشعري الأخّاذ الذي لم تعرفه(الجسور الزجاجيّة)، و لعلّ ذلك الحزن الشعري الأخّاذـ كما وصفته ـ كان في نفس الكاتب يومذاك فأخذ طريقه إلى عالم روايته.

تحميل ..