Walid El Astal @walidelastal

2018-05-17 23:53:03 للعموم

رواية عائشة.. البشير بن سلامة

عُرِفَ البشير بن سلامة قبل كتابته روايته(عائشة) بِبحوثه و تراجمه، لذا جاءت روايته البكر(عائشة) مفاجَأَة إضافة إلى كونها ضَرْباً أدبيّاً جديداً يوسع من اهتماماته الكتابيّة، و لا يفوتني أن أسجّل أنّه أصدر بعدها لوحات قصصيّة 1984 إلى أن أصدر آخر عملٍ روائي له(النّاصر)1998.

و لم يختر البشير بن سلامة الفترة الحاضرة من تاريخ تونس للكتابة عنها بل اختار الفترة التي تشكّل العهد الأخير من حكم البايات لها و الذي كان يتمّ تحت الحماية الفرنسية.

قسّم المؤلّف روايته هذه إلى أربعة أبواب هي:

1- باب العرش

2ـ باب الخضرة

3ـ باب سطح

4ـ باب الجنان

و تشكّل هذه الأبواب المقتبسة أسماؤها من التقاليد التونسية، الحركات الأربع لأبطال هذه الرواية و التي تبدأ بحضور شخص اسمه(علي) للقرية ليسمع نبأ وفاة(عائشة) البطلة ثمّ تتلاحق الأحداث في عمليّة استرجاع للماضي يبدأ من جَدّ عائشة و يمرّ بأبيها ثمّ بأمّها و ما جرى لهما قبل اللّقاء و الزّواج ثمّ ما بعد الزواج حتى تولد عائشة و تبدأ رحلتها هي الأخرى وصولاً إلى موتها بمرض السلّ.

إنّ أوّل ملاحظة تُسَجَّل لصالح الكاتب هي إلمامه الثرّ بكافّة العادات و التقاليد الشعبية التونسية، و على الرّغم من أنّ روايته قد كتبت بلغة عربية فصيحة رصينة إلّا أنّ اضطراره لإستعمال الكثير من التسميات الشعبية جعله يُلحِق بالرواية عدّة صفحات تتضمّن الكلمات المستعملة مع معانيها و دلالاتها بالفصحى، و كقارئ لهذه الرواية لم توقف هذه المفردات إستمراريّتي في قراءتها و ملاحقة أبطالها و أحداثها، الأمر الذي لم يستطع أن يحقّقه كاتب تونسي آخر هو البشير خريف مثلاً لأنّه اعتمد على اللّهجة المحلية في الحوار كلّياً إضافة إلى استعانته ببعض مفرداتها عند السرد لذلك لم أستطع شخصيّاً إتمام روايته(الدّقلة في عراجينها) رغم محاولتي المخلصة في ذلك و التي تكرّرت أكثر من مَرَّة و بأوضاع نفسيّة مختلفة.

و ساعد المؤلّف في هذا التعاطف الذي يبديه المتلقّي مع روايته ما أستطيع أن أسمّيه بخفّة دمه، و التي تعكسها العديد من التشبيهات إضافة إلى تركيبة بعض الشخصيات مثل تلك التي يعجّ بها الزقاق الذي انتقل إليه(الطاهر) والد(عائشة) بعد أن غادر بيت(الفريك مصطفى) وليّ نعمته، و الّذي ربّاه و علّمه و من ثَمَّ زوَّجَهُ بخادمته(زبيدة) عندما أراد ذلك.

إنّ هناك جملة من المسائل أودّ التوقّف عندها من أجل إعطاء الصورة الكاملة عن هذه الرواية و أحاول أن ألخّصها و أكثّفها في النّقاط التالية:

1ـ إنّ الكاتب لم يكن تقليديّاً معتمِداً على البناء الكلاسيكي للرواية بل إنّه حاول أن يخرج من هذا الإطار عندما قَسَّمَ روايته إلى أربعة أبواب، كل واحد منها يشكّل حركةـ كما أسلفت ـ من أجل أن يكون لروايته بناؤها السمفوني الخاص بها.

2ـ لم تكن لغة الكاتب حديثة تماماً بل إنّها نَهَلَت كثيراً من المفردة التراثيّة و لعلّ هذا مرتبط بثقافة المؤلّف التي اغترفت من التراث و أفادت منه، و لكنّ القارئ يتعاطف مع هذه اللغة و لا يشعر أنّها مُغلَقة عليه لا يستطيع أن يفُكّ أسرارها و طلاسمها، يهضمها و يهضم معها المسمّيات و التشبيهات المحلّية. و لا يجد نفسه بحاجة إلى تقليب الصفحات الأخيرة من الرواية حيث أثبت المؤلّف شروح ما يمكن أن يكون صعباً من مفردات.

و قد يرى البعض أنّ هناك تناقُضاً ما بين اللّغة و التقنية. و لكن هذا التناقض ليس وارِداً، و ليس من المفترض في أيّ كاتب أن يتخلّى عن كلّ ما يمكن أن يمدّنا به التراث من مفردات تحقيقاً للحداثة. ثمّ إنّ الزّمن الذي دارت فيه الرّواية يُحَتِّم على الكاتب أن لا يستعمل غير هذه المفردات التي تُدَلِّلُ على الأمانة و استيعاب المرحلة.

3ـ تمتلئ الرواية بالعديد من الشخصيّات و تكتظّ بها و لعلّ هذا يعتبر مأخَذاً عليها إذ كان بإمكان المؤلِّف أن يقوم بغربلة للشخصيّات فوجودها يكاد يخنق الشخصيّات الرّئيسيّة و لا يجعلها تمارس دورها الكامل في تحريك أحداث الرواية.

4ـ يُخَيَّلُ إليّ أنّ الكاتب نتيجة لكثرة الشخصيّات و الأحداث لم يستطع أن يُحافظ على إيقاع الرّواية الّذي استمرَّ هادئاً حتّى صفحاتها الأخيرة و يبدو أنّه قد تعب بعد ذلك فأسرع في تركيب النهايات المأساويّة لِجُلّ الأبطال، فعائشة ماتت بالسلّ مع ابنة أختها التي حملت العدوى منها. و يترافق موتها مع موت سالم ابن زوجة أبيها الّذي اعتدى على عفافها و خرَّب زواجها مع خالد، إضافة أنّ عادلاً يظلّ أسير السّجن... إلخ.

5ـ لا تظهر عائشة في الرواية إلّا في ثُلثها الأخير، و كانت جُلّ الأحداث من البداية و حتّى الأخير تدور حول أبيها (الطاهر) بشكل رئيسي و تتمحور عنده، و من هنا فإنّ إطلاق اسم عائشة على الرواية لا يحمل معه التبرير و كان من الممكن أن تحمل اسماً آخَر لا يجعل من شخصيّة غير رئيسيّة تستأثر به.

هذه بعض الملاحظات التي تجمّعت لي حول الرواية و من أجل استكمال الرّأي فيها لا بُدَّ من طَرح أمورٍ أخرى.

أـ لم أستطع أن أستوعب سرّ العلاقة بين(الفريك مصطفى) و هو أحد رجال الباي المقرّبين و بين والد(الطاهر) بحيث يفتح لابنه باب بيته و يسكنه عنده و يعلّمه، و عندما أراد أن يتزوّج من(زبيدة) خادمته زوّجه بها، و ولدت طفلته الأولى(عائشة) في قصر الفريك مصطفى و فرضت محبّتها على الجميع و أصبح جائزاً لها ما ليس بِجائزٍ لغيرها. و عندما مَلَّ الطاهر البقاء في هذا القصر وجَدَ له عمَلاً في الماليّة و أعانه في إيجاد دارٍ يقطنها مع زوجه و ابنته، ثمّ إنّه كان يزور البيت سرّاً ليقدم المعونة الماليّة لزبيدة التي يعاملها معاملة الاِِبنة.

ب ـ إنّ شخصية عادل لا تبدو شخصيّة متجانسة ـ و هو ابن الفريك مصطفى و سنّه تقارب سنّ الطاهرـ فتارةً نراه ثائراً، يتحدّث عن عن ظُلْم البايات و اضطهادهم للشعب، و لكنّه بَدَلاً من أن يقوم بفعل من أجل التغيير نراه يرتمي في الملذّات و الشُّرب و لم تسلم منه حتّى زوجات العاملين في القصر، كما طارد زبيدة قبل زواجها من الطاهر و لكنّه تنازل عنها للطاهر فيما بعد. و مع هذا لم يرفض الفرصة عندما واتته لاِمتلاكها و هي زوجة و أمّ و غَرَسَ في أحشائها ولدها الناصر.

ت ـ في نفس الوقت لم تكن شخصيّة الطاهر متجانسة أيضاً فبَعدَ أن كان شخصيّة جادّة و رصينة يحدث الإنقلاب اللّامبرّر في حياته فهو أوّلاً يهاجم البايات أمام الفريك مصطفى وليّ نعمته و يقول له:(البايات عبيد الفرنسيّين و أنتم عبيد البايات. أنتم عبيد العبيد. يا لها من حياة الذّلّ و المسكنة) ص109.

و ثورته هنا ثورة إيجابيّة رغم أنّها لا تتجانس مع تركيبة شخصيّته، و لعلّه في هذا الوضع يُشبِه حال عادل و ثورته الغضوبة. ثمّ يلتقي الطاهر و عادل في نمط آخَر من السلوك عندما يبدأ بِبَيع أغراض بيته من أجل إرضاء شهواته( و شهواته أصبحت لاتُحصى و لا تُعَدّ: ملاهي و مجالس أنس و مسرحاً و سينما و معاشرة لأهل الذّوق و الفَنّ... إلخ) ص 111.

ث ـ ما يحدث لعائشة من متغيّرات تبدو سريعة و تحتاج إلى التأنِّي حتّى يتلاءم إيقاعها مع الإيقاع العامّ للرواية، و لا أدري لماذا أراد الكاتب أن يتخلّص من هذه الشخصيّة بسرعة، علاقتها بسالم ثمّ زواجها من خالد، اكتشاف حقيقتها، سقوطها في المرض ثمّ شفاؤها، زواجها من الشيخ (المكنز) و عمره 70عاماً و في نفس الوقت علاقتها الجديدة ب(الأزهر) الشاب ابن أخ زوجها و هكذا. و كان من الممكن للكاتب أن يطيل هنا حتّى يصبح كل عمل له ما يُبرِّرُه ضمن بناء الشخصيّة و ضمن بناء الأحداث كذلك، الأمر الّذي سيبعد الرواية عن الخلل و الشحوب و يجعلها محافظة على امتلائها.

ج ـ نلاحظ أنّ المؤلّف يقع سهواً في بعض صفحات الرواية تحت تأثير القصص الشعبيّة العربية و خاصّة (ألف ليلة و ليلة) مثلاً دون أن يشعر أنّ هذا سيبدو نشازاً صغيراً في نغمةٍ صافية و أسجِّل على سبيل المثال ما يلي:(ومضت تسعة أشهر. و وضعت زبيدة طفلاً كأنّه القمر مدوّر الوجه، بشرته بيضاء ناصعة... إلخ) ص 106.

بعد أن سجَّلت ملاحظاتي على الرواية أحبّ أن أضيف لها شيئاً آخر و أقول: إنّ الكاتب استطاع أن يلمّ شتات الكثير من الأحداث و الشخصيّات و جمعها في حدود روايته هذه، و هذا أمر لايتمكّن منه إلّا من كانت له دراية في الفنّ الرّوائي و قدرة على تطويعه و استنطاقه، و إضافة إلى هذا قد رسَمَ لنا المؤلِّف عالَماً متكامِلاً و أعاد له الحياة، عالَماً لم يَعُدْ قائِماً، و لم يخلف وراءه إلّا القليل من الآثار، و لذا فإنّ المُحَرِّك الوحيد له هو الذاكرة. و يُخَيَّلُ إلَيّ أنّ ذاكرة المؤلّف قد فُتِنَت بذلك الماضي لذا أعادت له الحياة بكلّ صفائه و خشونته أيضاً. و قد كانت الحصيلة عملاً روائيّاً ذكيّاً، لا يُصَدِّق من يقرأه أنّه التجربة الأولى لكاتبه.

لقد كان وراءه غِنى ثقافي و غنى حياتي و هكذا وصل إلينا بهذه العذوبة.

تحميل ..