(ملعون أبوكي بلد) للكاتب السوداني أحمد الحردلو: | مدارج

Walid El Astal @walidelastal

2018-05-14 17:11:57 منشور معدل للعموم

(ملعون أبوكي بلد) للكاتب السوداني أحمد الحردلو:

لا يزال السودان يعني لِكَثيرٍ من عُشّاق الأدب إمّا الفيتوري أو الطيّب صالح، و هذه ظاهرة يمكن رصدها بسهولة في عالمنا العربي، فإذا ظهر كاتب أو شاعر في بلدٍ من بلدانه، و رُزِقَ توفيقاً يُقِيمُهُ و يُقعِدُه، يحظى بالإهتمام للدرجة التي يسرق فيها الضوء من كلّ ما عداه، و حالة القصّاصين و الرّوائيّين السودانيّين مع الطيّب صالح تشكّل خيرَ مثال لهذه الحقيقة الّتي تبخس بعض الأدباء أثمانهم.

إنّ أحمد الحردلو اسمٌ لا يمكنه أن يسقط من ذاكرتي أبداً، و قد توزّعت أعماله ما بين الشعر و القصّة القصيرة، و في هذه السطور سأحاول التعريف بمجموعته القصصيّة(ملعون أبوكي بلد).

هذه المجموعة ليست حديثة العهد بل إنّ طبعتها الأولى صدرت عام 1965 كما أنّ معظم قصصها كُتِبَت ما بين عامَيْ 1960 و 1965 و من هنا يمكن القول عن هذا الكاتب أنّه ينتمي إلى جيل الستّينات الّذي أحدث بعض أدبائه أهمّ حركة مجدّدة في الأدب العربي الحديث شعراً و قصّة قصيرة و رواية، و إذا كان بعض هذا النّتاج قد بات معروفاً و مؤثّراً فيها فإنّ هناك بعضاً آخر لم يحظ بمثل هذا الشيء.

تحتوي مجموعة (ملعون أبوكي بلد) على ثلاث عشرة قصّة، أحداثها تدور ما بين السودان و مصر، فهذان البلَدان يُشَكِّلان الموقع الجغرافي لها، و لكن الشخصيّات تظلّ جميعها سودانيّة إلّا فيما نَدَر. أمّا القاسم المشترَك بينها فيتمثّل في اقترابها من قضايا الإنسان اليوميّة، الحُبّ، السَّفَر، الشيخوخة، التعلّق بالأرض، البحث عن عمل... إلخ.

و لَمَّا كان المؤلِّف شاعراً استطاع أن يمنح مناخات قصصه و كذلك لغتها حالةً شعريّة لم تُفسِدْها، و لم تُحِلها إلى قصائد منثورة كما يحدث عند بعض الشعراء الّذين يكتبون القصّة، و نرى أنّ الشاعر فوق هذا قد زرعَ أبطاله في حالة تواصل متناغِمَة بينهم و بين الأرض التي يقفون عليها و الأحداث الّتي تُحَرِّكُهُم.

و على الرَّغم من أنّ الكاتب ستّيني إلّا أنّ مؤثّراته تظلّ محافظةً على مستوى التقنية و نجده أقرب إلى الكُتّاب الإنسانيّين الرّوس أمثال تشيخوف بالذّات منه إلى المَوجات المُحدَثَة التي عرفتها القصّة العربيّة من القصّتَين الفرنسيّة و الأمريكيّة بشكلٍ خاصّ.

و نجد تأثير تشيخوف واضحاً عليه إلى حَدّ الإقتراب من تقليده كما في قصّة(ملعون أبوكي) التي تحمل المجموعة اسمها، فبدَلاً من أن يُكَلِّم بَطَل تشيخوف حصانه عندما لا يجد من يسمعه، نجد بطل الحردلو يُكلِّم القطار الّذي يعود به إلى البلد، شاكياً له مصيبته في عدم عثوره على ولده الّذي غادره دون أن يترك أيّ خبرٍ عن وجهته.

من قصص المجموعة الملفتة للنّظر قصّة(الحصار) و تكاد هذه القصّة رغم بساطتها أن تقدّم الكثير عن إنسان هذا العصر، فمن هو بطلها التّائه في الغابة؟ و لماذا يظنّ أنّ خلاصه لن يتمّ إلّا باِمتطاء هذا الحيوان المزروع في الصّمت في ظلال الأشجار الكثيفة؟

لذا يُسرِع إليه و يقفز فوق ظهره، و ينطّ هذا الحيوان ليجري به، و لكنّه يكتشف بعد أن يقطع بضعة أمتار أنّه ليس على ظهر جواد كما تَصَوَّر بل على ظهر نمر مفترس سرعان ما يطرحه أرضاً ليلتهمه.

إنّ بطله هذا منقاد إلى حتفه نتيجة وهم بالنّفاذ و الخلاص من ضياعه الحائر.

و المؤلّف يلجأ إلى الحيوانات أيضاً في قصّةٍ أخرى هي (الملك) التي تدور حول حكاية مشهورة عن الأسد الذي كتّفه الثعلب بالحبال و تركه مرمياً، و الفأر الذي يقوم بإنقاذه، و قرار الأسد بترك الغابة و هو يلعن:(أنّ الغابة يكتفني فيها الثعلب، و يطلق سراحي فيها الفأر، ليست غابتي و لن أستطيع أن أعيش فيها).

و لعلَّ ما حملته هذه القصّة من دلالات ليست صعبة الرّبط بما يجري في الواقع العربي من أحداث و خصوصاً السياسيّة منها.

و تتجسّد شاعريّة المؤلِّف لغةً و مناخاً في القصص ذات الموضوع العاطفي في المجموعة و من بينها(قدّيسة) مثلاً. و هي قصّة ذات وقع بسيط و لكن بنبضٍ حارّ، ليس فيها ما هو مثير، هناك امرأة لها فهمها للعالم و العلائق، و رجل يحاول الإقتراب منها، يحاورها و يطرح أمامها قناعاته التي تتقاطع مع قناعاتها، لذا يظلّ حواره معها وحيد الجانب، ينهض و يمضي عنها و هو يحمل في قلبه غصّة مُرَّة.

و تنتمي إلى عالم قصّته (قدّيسة) قصّته(قصيدة) الّتي تكاد أن تكون موضوعاً لقصيدة فعلاً فهي أقرب إلى ذلك.

و إلى نفس العالم أيضاً تنتمي قصّة(عزّة) الّتي هي أقرب في موضوعها إلى القصيدة منها إلى القصّة، و الّتي تتحدّث عن شاب يذهب لشراء ثوب الزفاف لخطيبته و عندما يعود به لا يجدها.

في قصّة(محاكمة) يطرح الكاتب موضوعاً ساخناً يتعلّق ببلدان العالم الثالث التي ابتليت بالإنقلابات العسكريّة.

و القصّة تدور حول محاكمة ضابط بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم العسكري أيضاً في بلده، و تبدو سخرية الكاتب عندما يُقَدِّم رئيس المحكمة كلواطي ينتظره غلامه بين جمهور المحكمة في حين أنّ أعضاء المحكمة لهم خليلات عاهرات ينتظرنهم أيضاً في الصفوف الأماميّة، و هكذا يصدر حُكم الإعدام على الضابط، ليذهب رئيس المحكمة إلى غلامه و أعضاؤها إلى خليلاتهم.. و أيّة سخرية هذه؟

و يميل الكاتب في أكثر من قصّة إلى طرح موضوع العلاقة بين الأجيال، جيل الشيوخ و جيل الأحفاد، كما في قصّة(ملعون أبوكي بلد) حيث يعود الشيخ كسيراً خائباً لأنّه لم يعثر على ابنه، هذا الاِبن الّذي لم يستطع أن يفهم لماذا غادره و غاب دون أن يعطي أيّ مبرِّر، يحسّ بالذّلّ و الوحدة و هو ينتقل في المدينة، لذلك يقفل راجعاً و هو يطلق صرخته المحتَجَّة(ملعون أبوكي بلد).

و في(جزيرة القمر) هناك حوار ما بين جَدٍّ فلّاح و أمّي لا يعرف شيئاً عن هذا العالم أبعد من حدود قريته و بين حفيده التلميذ في المدرسة الإبتدائيّة. كان الحفيد في بداية القصّة في موضع السائل، و لكنّه يتحوّل إلى الموضع المعاكس حيث يبدأ الجَدّ بتوجيه الأسئلة إليه لكونه دخل المدرسة و تعلَّمَ فيها. ثمّ يبكي الجَدّ فَرحاً بذكاء حفيده المتَّقِد و حُزناً على عمره الّذي ضاع دون أن يُحقّق حتّى حلمه الصّغير في رؤية(جزيرة القمر) القريبة.

و تنتمي قصّة (القطار) إلى نفس عالم القصّتين السّابقتين حيث نجد شيخاً و حفيده هاربَين بالقطار مع الّذين هربوا من قريتهم التي يهدّدها الفيضان، الشيخ مريض و مشدود لما تر ك في القرية، الكوخ و الأثاث و الكلب، و الطفل يعوم على أجنحةٍ من التساؤلات المُبهَمَة، و يموت الشيخ كمَداً و هو يتّكِئ على نافذة القطار.

إنّ مجموعة سيد أحمد الحردلو هذه تأتينا من بلدٍ لا يعرف كثير من عشّاق الأدب إلّا القليل القليل عن أدبائه، الّذي يُعَدّ سيد أحمد الحردلو من أهمّهم، و(ملعون أبوكي بلد) من أهمّ أعمال أدبائِه.

تحميل ..