حوار داخلي على هامش لقاء عابر | مدارج

rachid tahiri @rachid_8

2018-04-23 14:25:07 للعموم

حوار داخلي على هامش لقاء عابر

لعلك كنت شاهدا يا رب، لعلك كنت تراقبني من فوق سبع سموات حين استوقفني عبدك البئيس ذاك.

ربما أنت من قدر أن تتقاطع خطانا، أنا كنت ماضيا في طريق ينتهي إلى وجهة محددة وهو يسري وفقط.

كانت موسيقى كمان ملهمة تخترق أذني الداخلية، وجداني، وروحي حين تطفلت على مسامعي كلماته المبعثرة : "خويا دور معايا".

هو بقايا رجل ذو قامة طويلة، كث الشعر طليق اللحية مغبر الجبين والأعضاء، في سحنة وجهه المتجعد الذابل براءة ووداعة، يلبس جلبابا باليا متسخا مبتور الأوصال، إنه معذب لا محالة، شقي ومنبوذ.

متشرد هائم على وجهه ككل المنكوبين على ظهر حبة الرمل هذه السابحة في كون لا حد له و التي آوت تشردنا الأزلي على ظهرها بعد أن طردت أنت يا رب أسلافنا من فردوسنا المفقود.

لعلك كنت شاهدا، تسمع وترى، لقد جاش وجداني عطفا عليه، لقد تخليت عن كل قناعاتي وعطلت ما يراه عقلي من رؤى، لقد تقاسمت معه بكل مازرعت في قلبي من صدق معاناته للحظات وتمثلت ألمه بداخلي، تبنيت قضيته، أشفقت على حظه التعيس، واستنكرت القسمة الضيزى التي ميزت بينه وبين الأغنياء المنعمين.

مددت يدي إلى جيبي، ذلك الجيب الأصغر، أنت تعرفه لا محالة، جويب صغير لايكاد سروال "جينز" عصري يخلو منه، نحشر فيه الفكة: نقود معدنية على اختلاف فئاتها.

مددت يدي إليه في خشوع وخضوع، أنت تعلم، إنه قرار صعب هذه الأيام، كيف لا يكون كذلك وحكومتنا ماضية في تقشفها وغيها، يوم بعد يوم تزيد من أثمان لقمة عيشنا وتثقل كاهلنا شيئا فشيئا.

لقد اتخذت ذلك القرار، رغم أني أعلم أن فقدان درهم أسهل مليون مرة من كسبه في أرضك هذه التي وكلت حكمها للشيطان ضدا في دعوات الصالحين المؤمنين المغبونين، التي كادت أن تشق صرح السماء، وما من استجابة، ربما في ذلك حكمة من يدري!

تخلصت فجأة من كل أنانيتي و من حبي للمال، من فلسفتي وواقعيتي وعقلانيتي، لقد كانت لحظة حميمية بجد وإنسانية بصدق تلك التي مددت فيها بيدي بضع دراهم، ومنحتها هدرا لعبدك المحروم ذاك، لقد تخيلتك تنظر إلي وتدقق في يدي وقد أتت فوق يده، افترضت أيضا أنك سمعت صوت الدراهم وهي تودعني باكية.

دراهم معدودات، ثمن بخس بيع به أجمل نبي من أنبيائك، هي شيء هين لامحالة، هكذا سيفكر عبيدك المنافقين، لكني أعلم أن قلة منهم ينتصرون على مازرعت في نفوسهم من شح بيديك، ربما لتمتحنهم ، هذا وارد.

ربما لو كنت ميسورا أكثر لنفحته بقشيشا أكثر.

هل تعلم أن معظم الناس لا ينفقون لرد مسألة متسول باسمك سوى "الله اساهل"، إنهم يتملصون من وصاياك ويردون الأمر لك، فأنت الغني وهم الفقراء، حتى وإن تصدق بعضهم فلحاجة في نفس يعقوب، فكثيرون من رعاياك هؤلاء يؤمنون أن الصدقة ترد البأس وتحميهم من المصائب، إنهم لا يقصدون وجهك الكريم إلا لماما.

بصفتي بائسا وفقيرا سابقا ولا أزال أرتقي سلم الفقر درجة درجة، أحيطك علما من باب الذكرى -لأنك تعلم مسبقا ذلك أيضا- أنني ذات يوم بل ذات أيام كانت حياتي أصعب مما هي عليه الآن، حينها كان جوعي يحارب بدرهم واثنان، لذلك بت الآن أقدر قيمة النقود.

درهم واحد قد ينقذك من الجوع، قد يشتري لك قطعة خبز، قد تحصل مقابله في أسوء الحالات على سيجارة تقطع بها يأسك شطرين، قد تهاتف به قريبا لينقذك من ورطة خانقة، قد تفعل به أشياء وأشياء.... وما بالك ببضع دراهم.

الآن وقد تصدقت نقصت ثروثي دراهم، وازدادت ثروة عبدك المشرد ذاك بنفس القدر...

أتعلم ماهو عزائي؟

إني أعترف وسأعترف أنني لم أفكر لحظتها في الحور العين – وما أحوجني إلى واحدة- ولا في أنهار اللبن والخمرة التي وعدت بها عبيدك الطائعين، لم أفقد دراهمي طمعا في ذلك، ولا خوفا من لهيب السعير، لم أشأ أيضا أن أكفر عن خطاياي وزلاتي وهي كثيرة، لم أتخيل أني أستطيع ذلك.

لقد تنازلت عن ملكية تلك الدراهم طوعا لأن ذلك يولد في نفسي شعورا جميلا، أنت تعلم طبيعته، أنا عاجز عن وصفه كعجزي عن مجاراة كل أوامرك واجتناب نواهيك المكبلة.

بت الآن على بينة من أمر واحد هو أن ما يستحق العناء هو ذلك الصفاء وتلك السكينة والطمأنينة والروح المتفائلة الطيبة والإحساس الإيجابي المتفائل، هذه الأمور التي يمكن اختزالها في عبارة واحدة : " السلام الداخلي"،

ذلك قصدي وما أسعى إليه طوال يومي، أعتنق كل ما من شأنه أن يعززه وأنفر بل أجعل بيني وبين كل ما يمس به بعد المشرقين والمغربين.

أنشر الحب والسلام من حولي وأساعد الآخرين ما استطعت لأن ذلك يجعلني فخورا بنفسي كإنسان و يولد بداخلي إحساسا عذبا وطيبا.

هل تراك تقدر في هذا يا رب؟؟

تحميل ..