فقدان الدّهشة | مدارج

احمد عباس الملجمي @Abbas199062

2018-04-20 16:18:02 للعموم

فقدان الدّهشة

كُنتُ وأنا صغير أضع رأسي على فخذ أُمّيّ، رافعا ببصري صوب السماء، فمن البادِيَةِ تبدو لك السماء أكثر صفاء وجمال، تُظهر السماء محاسنها على عكس المدينة، لتواسي نُجُومها أَعْيُن البدو، وتحرس محاصيلهم، ومواشيهم حتّى الصباح. في أحد تلك الليالي، التّي ظَلَلْتُ أُسامر فيها أُمّيّ، سألتها: لماذا يا أُمّيّ لا تسقُّط النُّجُوم؟ لماذا القمر يمشي؟ ولماذا القمر لا يَنفُذ ضوءه؟ أين تذهب النُّجُوم في النهار؟ ومن أين تأتي الشمس في الصباح؟ قالت لي أُمّيّ يومها، الله وحده مَنْ يُمسك النُّجُوم، ويُضيء القمر، ويأتي بالشمس. قُلت لها وكيف يفعل ذلك؟ قالت: لا أحد يعلم.

حين قالت لي أُمّيّ يومها "لا أحد يعلم"، كانت إجابتها يومها مقنعة لي، ومثيرة فَيَّ الدّهشة والاستغراب، ربما لأني لم أعرف بعد شيئاً عن الجاذبيةِ، ودوران الأرض والقمر. كانت تلك آخر مرة، تُخالجني فيها الدهشة ممّا أرى حولي، لأجد المجتمع بعدها مُشمر اليدين، تاركاً دهشتي للمُسَلَّم، والمُعَرَّف، والظَنّيّ والقَطْعِيّ، والعادة والتقليد.

لم أَنْسَ سؤال توأمي، حين كان يصعد الجبل، لكي يُكلم الله أن يُعطيه لُعَبة، كتلك التّي رآها مع ابن خالي، فكان كل ما صعد الجبل، يرى السماء تبعُد عَنْه أكثر فأكثر، فقال لأُمّيّ يومها: لماذا أنا أقتربُ من ربي وهو يَبعُد عنّي؟

يذكر الروائي النرويجي "جوستان غاردر" في روايته الشهيرة "عالم صوفي"، على أنّ أرنباً ضخما ذو شعر كثيف، خرج من قبعةِ الساحر، ولأنه أرنبا ضخم، فإن جلسة الشعوذةِ تلك تحتاج إلى ملياراتِ السنين، حتّى تُحضر ذلك الأرنَب، ونحن حين نأتي إلى هذا الكون، تبدأ حياتنا كأطفال على قممِ تلك الشعرات الدقيقة، على فروِ ذلك الأرنَب، ممّا تجعلُنا نندّهش مباشرة، فور رؤيتُنا لتلك الجلسة، التّي أحضرت ذلك الأرنَب الكبير، والذي يبعث وجوده على الدهشةِ والحيرة، فالطفل يعتبر كلٌ ما في العالمِ شيئا جديدا، لم يره مِنْ قبل، أو يعرف عنّه شيئا، ولذلك لا تزال الدهشة لديه عمّا حوله في ذروتِها، على عكسنا نحنُ الذين كبُرنا، فغاصت بنا ملذات الحياة، ورتابة العيش في فروِ الأرنب، فلم تعُد الحياة تُدهشنا بشيء، على عكس أولئك المتشبثين بتلك الشعرات، الذين رفضوا النّزول نحو القاع، لتظل الحياة تُدهشهم كلما نظروا إليها، فرؤيتُهم للأشياء مِنْ حولهم، تحملُ أسلوباً في التفكيرِ ذي بعداً فلسفي، رؤية تُعطي تعريفاً للحياة لديهم، مقتضاها: "أن يظل الإِنسان قادراً على الدهشةِ، فما فقد أحداً منّا الدهشة، إلاّ وفقد معها معنى أن يكون إِنسانا ذا قيمة".

يا ترى أي دهشة نتكلم عنها؟

انقسم العالم في تعريفِ الدّهشة إلى قسمين: كلاً حسب موقفه من الأيمان بها وما تفضي إليه، فالقسم الأول: " يرى أنها تدعو إلى التحررِ من المألوف والعادة، أو دعوة الذات لإعادة النظر في الأشياءِ والأفكار وسبر أغوارها ومعرفة أسرارها"، وتلك هي الدّهشةِ التّي أتكلم عنها، وهو التعريف الذي تتبناه الفلسفة اليونانية.

وقسم آخر أفزعته الدّهشة، لأنه يراها دعوة للشك، في اليقينياتِ المُسلّمة، ليجعل الخوض فيها شيئا يمُس العقيدة، وذلك هو التعريف الذي تُعبر عَنْه أفكار الكثير من الجماعات الإسلامية المُتَصَوِّفة، ولكي تتهرب بعض الجماعات من ذلك المأزق الفلسفي، فقد جعلت الدّهشة تساوي اليقظة، ففي عقيد الإمام الهروي في كتابهِ منازل السائرين، يرى أنا اليقظة كمصطلح إسلامي، يعد أقرب من مصطلح الدّهشة، ذلك المسمى الفلسفي اليوناني، فيقول: "إن اليقظة يعتبرها المتصوفة "أول درجة في البدايات"، ويرى أنها قومة من سنة الغفلة، والنهوض من ورطة الفترة، وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه". ومن خلال المقارنة، بين ما يسميه الإمام الهروي "اليقظة"، وبين ما نقول عنه "الدّهشة"، لا أرى أن هناك أي تقارب بينهما أو صلة، سواء من حيث المعنى أو الاصطلاح، ولم أجد أي تعريف إسلامي واحد، يُعرف الدّهشة من منظور إسلامي جامع.

يقول هيدغر "إن اندهاش الفكر يعبر عن نفسه بالتساؤل"، إن حاجتنا لطرح الأسئلة، التّي هي وليدة الدهشة، كانت ولا تزال أهم مِنْ حاجتنا للأجوبة المعلبة، والفطفطة الكلامية، والتنظير العقيم، الذي يُعيد تصنيع المُصنّع، وتعريف المُعَرَّف، ونسخ المنّسوخ، كل ذلك ليس من شأنه، إلا أن يبعدنا أكثر فأكثر عن حقيقة الأشياء وجوهرها.

إن حاجتنا لِّمَن يتسلقون مِنْ القاعِ، لينظروا لنا الطريق بمنظارٍ مُخلتف عمّا عهدناه طيلة قرون، كانت ولا زالت أكثر من حاجتنا لأولئك الذين يَغُوصُونَ بنا، كل يوم أكثر فأكثر، في فروِ العاداتِ، والتقاليد السائدةِ، والعيش الرّتيب، والإفكار التي لا تقبل النقد والشك.

السؤال الذي يراودني، يا ترى بعد قرون من التوهان، هل نستطيع القول إن واقع اليوم يفضي إلى رؤية مختلفة للحياة؟ أم أن فرو الأرنب لا يزال يعجبنا.

تحميل ..
طه أزميزم @Taha-azmizem
مقال جميل, الدهشة هي شعلة التطور العلمي و الحضاري..
2018-04-21 14:44:34 1