هشام الغالي @iHicham

2018-04-03 10:35:21 منشور معدل للعموم

انطفاء ..

- صرت أكثر وسامة .. في زيارتك الماضية كنتَ مثل هيكل عظمي.

هكذا خاطبتني مباشرة وبدون أي مقدمات .. ضحكت، ثم قبلت رأسها .. استرسَلت بعدها في أحاديث غير مترابطة، تحكي عن أبنائها وعن فلان وفلانة .. لاشيء منطقي في تنقلها من موضوع إلى آخر، بلا أي رابط ..

عندما يهرم الإنسان يصير مثل الطفل الصغير، عليك فقط أن تسايره وتدخل إلى عالمه، كما هو .. الفرق أنك حينما تنظر إلى الطفل وتدخل إلى عالمه فإنك تتطلع إلى مستقبله، وفي ذلك متعة .. أما من بلغ من العمر أرذله، فإن نظرتك إليه ودخولك عالمه يحيلك مباشرة إلى ماضيه .. العينان نفسهما، النظرة نفسها، الحركات المتكررة نفسها، والشخص هو هو نفسه، لكنه رغم ذلك مختلف، مختلف إلى درجة التحول ..

كانت تلك هي المرة ماقبل الأخيرة التي أراها فيها، قبل أن تنطفئ الى الأبد، وتأخذ معها كل حكاياتها ودعواتها .. هكذا بكل بساطة، كأنها لم تكن يوما، كأن كل شيء كان حلما، قصيرا، سريعا، أفضى فجأة إلى واقع فارغ وفج بدونها ..لتفرغ الدار من عمادها، والأرض من قِبلتها التي كانت تجمع كل شتات العائلة عندها ومن أجلها .. ثم لتصير الدار الكبيرة مجرد دار أخرى، والأرض مجرد تراب آخر ..

أقسى ما تركته خلفها هو الفراغ الذي خلفه غيابها.. الوجع الشديد كلما فتحت غرفتها ونظرت إلى سريرها الفارغ إلا من ذكراها.. كل شيء في بيتها يحيلك إلى نفس الوجع .. أشياؤها، كرسيها، صورتها على الجدار، خزانة ملابسها، قفطانها الأخضر الذي كانت تحب والذي قالت مرارا أنها تحتفظ به لتلبسه في يوم عرسي، هي التي طالما ألحت علي وعلى أمي أن تزوجني .. وجع في كل أركان البيت، دموع على كل العيون، ألم الفراق، ألم الخوف من وقوع سابق في التقصير، ألم الخوف من الوحدة، من النسيان، من الفراغ، من المجهول، من الموت نفسه، القادم حتما مرة أخرى، ولو بعد حين ..

تحميل ..
أظهر تعليقات أكثر ..
Walid El Astal @walidelastal
بعد هذا إذا سُرِقَ نَصٌّ من نصوصك يمكنك مقاضاة السارق و تخرب لو بيتو
2018-04-21 22:06:37 1
هشام الغالي @iHicham
لم أكن أعرف هذه الأمور، شكرا جزيلا لك وليد على هذه المعلومات
2018-04-22 12:13:37 1