Abed Zidan @abedzidan

2018-02-24 17:31:04 للعموم

حلم بصديق قديم

رأيت كما يرى الناس في المنام .. غفوه .. " بين سهو ولهو " .. وكأني اعبر شارع عمر المختار بطرابلس .. وعند الاشارة الضوئية الحمراء .. توقفت انتظر اشارة عبور المارة الراجلين كما اخرين للجانب الاخر .. وبين الحين والحين .. ارمق بطرف عين .. صدفة .. وقعت عيني على صديق قديم .. استاذنا .. استاذ الفلسفة .. د . طلعت .. من اهل السودان .. الاحبة النجباء .. عانقته .. تبعترت الاسئلة .. عن الحال والمآل .. سررت بلقائه .. لقد مضى زمن طويل ولم نلتقي .. امضى اكثر من ربع قرن متنقلا بين اروقة الجامعات الليبية .. قسم الفلسفة .. محاضرا .. مناقشا ومشرفا على رسائل الماجستير والدكتوراه .. رحلة من العطاء الزاخر الوفير .. عرفنا فيه الاستاذ والصديق .. تفاني في الاداء دون كلل او ملل .. رحابة الصدر .. طيب المعشر .. ترك لنا ارث خصب .. وخزانة من المعارف .. مؤلفات .. ترجمات .. مقالات .. افق واسع وبحر محيط .. رؤى نيرة وكتاب مفتوح . ولعمري لا زلت أطالبه بكتابة حفريات في ذاكرة تلك الحقبة .

   غادر ليبيا عام 2010 .. ولم تغادره .. البلد الذي احب .. انهت الجامعة عقده .. وبين الحين والحين .. لا تزال تنهدات مضمرة تشاكي المه .. ( خاص .. وافلسفتاه .. عندما رسب ( كانط ) في الفلسفة .. يستهوي الطلاب الذين كنت ادرس لهم الفلسفة في جامعة ( ما ) الحكمة القائلة ( ما قل ودل ) دون الدخول في تفاصيل الدرس وتشعباته فان اي محاولة للتعمق كانت مصيرها الفشل ورفع شكوي الي رئيس القسم ( وكان ما بيني وبينه جفاء لا ادري سببا له ) .. حدث وان قمت بتدريس مادة ( كانط ) في الجزء الثاني من مادة الفلسفة الحديثة , ودراسة كانط علي اي مستوي جامعي وفي حده الادني تتطلب ما تتطلبه فلسفة كانط النقدية المتعالية جهد وعمق ولا داع للدخول في التفاصيل , وليتني لم افعل فتهاطلت عليّ اللعنات من كل حدب وصوب ( واجد واعر .. و معقد .. و محناش فاهمين , مافهمناش ... الخ ) .. طرب رئيس القسم لهذا ( حقا إن من الحب ما قتل ) .. ولوح لي بعصا العقد فانا اجنبي , يعني ( الحيطة القصيرة ) كما نقول في السودان وكُلف الزميل اياه ( بتاع كله ) بالمادة وهو لا يعرف ما الفرق بين ( نقد العقل الخالص ) لكانط والهاكم التكاثر .. وكعادته قبل بها تلبية لاوامر رئيس القسم .. فهو علي استعداد لتدريس كل شيء حتي ( رتق الجوارب ) ان استدعي الامر ذلك . ودرس لهم الزميل اياه كانط علي طريقة ( علي واحدة ونص .... رقصني يا جدع ) وقال عن كانط كلاما لوسمعه كانط كان يقينا سوف يلقي بنفسه من اعلي طابق في برلين عاصمة بلاده . لكن الطلاب كانوا مبسوطين , ونجحت ( الكولسة ) ورسب كانط في مادة ( كانط ) , أما أنا فقد كان مصيري ...... الشارع )

   ضاقت به الحيل وهو يتأمل ويشاكي تلك الشجرة القورينيائية .. واخيرا .. حزم حقائبه .. ورحل .. ترك الشجرة وقورينا الجبل .. الى القاهرة .. متحسرا على زمن عانق فيه هواء ليبيا وثراها .. وفي لحظة التأهب للسفر الى الخرطوم .. ارسل لي من على سلم الطائرة .. هذه الكلمات .. دعاء الابن لوالدته :

رباية الذايح ...... يحفظك الله من كل شر )

( دعاء من وجدان صادق اغرورقت عيناه بالدموع )

اللهم احفظ لببيا .. اللهم أرأب الصدع بين بنيها .. اللهم أجبر كسرها .. اللهم انشر الامان في ربوعها الغالية من راس جدير حتي السلوم .. اللهم فلتكن أيامها سخاء رخاء .. اللهم فلتزرع المحبة والوئام في البيضاء وشحات ودرنة واجدابيا وطرابلس وسبها ومرزق وهون وودان وسرت والخمس ومسلاته وغريان وسمنو والزيغن وجالو وتازربو والجغبوب ونالوت وكباو وزوارة والكفرة وكافة بقاع ليبيا المقدسة .. اللهم أرحم شهدائها ( من الطرفين ) .... اللهم فلتمطر امطار السلام والطمأنينة غزيرة علي رؤوس أهلها الكرام .

اللهم فلتجزي ليبيا عنا كل خير ... لقد احتضنتا عندما قست علينا اوطاننا .. لقد كست العراة منا بعد عري .. وأوت المشردين بعد ضلال .. وأطعمت الجائعين في قفاري الكون المرهقة ... وروت العطاشى التائهون في صحراء الحياة المجدبة ... لن افيك حقك من الشكر والعرفان ليبيا مهما فعلت .. لا يسعني إلا ان انحني إجلالا وتقديرا لك بعد الله .. كنت ضالا وعلي ضوء نورك اهتديت .. كنت مارقا وعلي سنة طريقك امتثلت .. كنت يتيما والي حضنك الرءوم أويت .. وكنت عائلا وعلي اكتاف خيرك لجأت .. تعلمت منك الكثير .. وببلسمك الشافي داويت جروحي .. وعلي نسمات الجبل الاخضر تحررت من اسري .. والي ( أوشاز ) عطفك احتميت من زمهرير الحر وصقيع البرد .. كنت طريدا وفتحت لي ذراعيك .. كنت غريقا ووجدت فيك طوق النجاة .

شكرا ليبيا .. كيف لا ولحم اكتافي من أديم عطائك ( شاء من شاء وأبي من أبي )

طلعت – القاهرة في الطريق الي الخرطوم .

   ترك كل منا ما كان يشغله .. وعند ناصية مقهى الغزاله .. جلسنا نداعب امواج المتوسط .. وفنجان قهوة .. نخب ليبيا والسودان واهلها .. سيره وانفتحت .. ذكرته بترجمته لكتاب : " صدام الاصوليات " .. ذلك الجهد الرائع .. بصمة اثراء زمردية .. للمكتبة العربية .. لقد عبر في افتتاحية الترجمة عن سمت العلاقة مع المؤلف : " المؤلف والمترجم هنا عدوان لدودان يتقاسمان فراشا واحدا .. هو النص " .. وعن اقتباساتي عنه في كتابي " كرانيف " :

  تتماهى المشاعر ولا فرق . قال شاعر أفغاني من داخل سجنه :

أريني يا بلادي ثرى أرصفتك

حيث لا يجرؤ احد على السير وهو مرفوع الرأس

وحيث يحمل إليك المحبون الحقيقيون ولاءهم

وهم يمشون خلسة على أطراف أصابعهم من الخوف

لقد سدت الأحجار الطريق

وأطلق سراح الكلاب

من يا ترى سوف يتولى الدفاع عنا ؟

أين يا ترى سوف نعثر على العدالة ؟

اقتباس اخر :

   " قامت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بتأييد أكثر العناصر الرجعية بحماس ضد الشيوعية أو القومانية العلمانية وغالبا ما كان هؤلاء أصوليين دينيين متشددين : الإخوان المسلمين ضد ناصر في مصر ، ساركات إسلام ضد سوكارنو في اندونيسيا وجماعة الإسلام ضد بوتو في باكستان وفيما بعد أسامة بن لادن وأتباعه ضد الشيوعي نجيب الله في أفغانستان " .

اقتباس اخر :

   " يرى صاحب كتاب " صدام الأصوليات " أن كتاب السيد قطب " معالم على الطريق " الأكثر رواجا .. " من وجهة نظر واقعية لا يضيف جديدا ، وانه كتاب عادي وغير مؤثر كما انه عدواني من الناحية الفكرية "

اقتباس اخر :

  في مقابلة لمجلة اليسار الجديد عام 1967 مع اليساري اسحق دوتشر يستطلع خلالها بإسهاب أسباب هزيمة 67 :

   " لم يتخذ أي إجراءات وقائية .. ترك ساحات طيرانه بدون حماية وظلت الطائرات قابعة في الأرض دون تمويه ، انه لم يهتم حتى بتلغيم مضايق تيران أو أن يضع بضعة مدافع على شواطئها .. إن هذا يوحي بمدى خراقة ناصر ... لقد كشفت نكسة يونيو .. فقدان لاستراتيجيا سياسية ، ونزوع ثمل ذاتي عاطفي ، واعتماد مفرط على الزعامة القومية . لقد كان هذا الضعف من بين الأسباب الحاسمة في هزيمة العرب . إن انغماس الدعاة في التهديدات لتدمير إسرائيل بل حتى إبادتها ، وهي ما برهنت عدم الجاهزية العسكرية بوضوح إنها تهديدات فارغة ، قد وفر مادة خصبة للشيفونية الإسرائيلية كما مكن الحكومة الإسرائيلية من أن تثير في شعبها نوبة الخوف والعدوانية الضارية التي انقلبت على رؤوس العرب .. نظام الحزب الواحد والعقيدة الناصرية وغياب القرار الحر . كل هذا عمل على تعطيل الوعي السياسي عند الجمهور ..فحينما تكون القرارات المهمة في السياسة معتمدة على قائد مستبد فسوف تنعدم المشاركة الشعبية الحقيقية .. كان بالإمكان أن لا يكون للضربة الاستباقية التي وجهها الإسرائيليون بأسلحة تقليدية كل هذا التأثير المدمر لو كانت القوات المصرية معتادة على الاعتماد على المبادرات الفردية للضباط والجنود ولأتخذ القادة الميدانيين احتياطات دفاعية أولية دون انتظار أوامر عليا .. كما أن الأساليب العسكرية البيروقراطية للناصرية أعاقت من ناحية أخرى التكامل السياسي لحركة التحرير العربية "

اقتباس اخر :

   " لقد أدركت فداحة الكارثة .. عندما زرت مخيمات الفلسطينيين في الأردن وسوريا عام 1967 م بعد حرب الأيام الستة بأسابيع قلائل ، لقد تأثرت لما أصاب الأطفال الفلسطينيين من جراح وبالظروف التي اجبر اللاجئون على العيش فيها ، والقصص التي كانت ترويها الأمهات والأخوات والزوجات "

سرقنا الوقت .. رن جرس الهاتف .. افزعني .. طار النوم والحلم .

تحميل ..