rachid tahiri @rachid_8

2018-02-14 15:52:57 للعموم

لهو على هوامش الفلسفة

...

ما أجمل أن تكون أنت أنت. ما أجمل أن تتقبل وتصالح ذاتك وتركن إليها باطمئنان وسلام.

أن تكون ممتنا للحياة لأنها وهبتك فرصة ثمينة لن تتكرر...

ما أجمل أن تضع كل انشغالاتك الفكرية والمهنية والأسرية جانبا لتقتنص لحظة هدوء ناعم... أن تتجرد من نهمك اللامحدود لتملك أشياء عارضة شأنها شأنك في هذا العالم، كلاكما يفنى ويزول.

ما أجمل أن تنزل حملك الثقيل من على ظهرك لتستريح، لتنظر إلى العالم من زاوية العشاق الموغلين في الزهد والتصوف،

ما أجمل أن تدير وجهك للعالم، ولكل شيء تعلمته... إلا اللغة تمتطيها لتلعب كالأطفال المبتدئين على شطآن البلاغة والأدب والفلسفة.

ما أجمل أن تجمع كل المفاهيم المقلقة (الصراع الطبقي، الفقر والغنى ، العدل واللاعدل، الخير والشر، القهر ، بؤس العالم ، الظلم، العدوان، التعاسة ، الإستعباد، الشؤم...) في كيس بال وترمي به في أدنى رف بالدولاب ثم تحكم إغلاقه.

ما أجمل أن تبتسم لنفسك دونما سبب في غمرة وحدتك، لا في وجه أنثى حسناء لتتوسل ودها، أو في وجه غني جائر أو قوي قاهر لتستجدي عطفه.

أنت تبتسم لأنك تقدر نفسك ووجودها، تبتسم لأنك تؤمن أن الإبتسامة ليست مجرد تعبير جسدي لتقريب الذوات من بعضها البعض، بل هي قيمة عليا ووجود مستقل الذات يجسد الفضيلة في أرقى معانيها.

ما أجمل أن تحس بالحب المؤنسن الذي لا حدود له يخترق ذاتك، يجعلها تسمو وترتقي عما هو وضيع، إنه حب طاهر لا يجد قيمته في مصلحة عارضة أو في نزوة عابرة، بل هو قيمة عليا في ذاته.

ما أجمل أن تحب دونما مقابل...

أن تحب صديقك لأنه نسخة معدلة منك، يشعر بما تشعر، ويقاسمك الوعي ذاته والمصير نفسه، تحبه لأنه مرآة ترى من خلاله أناك.

ما أجمل أن تحب أمك وأباك لأنك امتداد مادي ومعنوي لهم، استمرارية صارخة تتحدى الفناء وتنتصر للخلود الذي أرق البشرية منذ أن اكتسبت وعيا بانسانيتها.

ما أروع أن تحب الكتابة لا لأنها تدر عليك دخلا، أو ترفع منزلتك في نسيج المجتمع، تحبها لأنها جزء منك تعبر بها ومن خلالها عن ذاتك.

ما أجمل أن تدرك أنك نسخة فريدة من نوعك تشبه الآخرين وتختلف عنهم في كل شيء.

الكتابة تجسيد لإنسانية الكاتب يثبث من خلالها أنه ليس مجرد حيوان أوجدته الحتمية الطبيعية ليعيش ويتغذى ويتناسل.

لكي نكتب يجب أن نفكر أولا، ومتى ما تجرأنا على التفكير فإننا نسمو بذلك إلى مراتب أعلى وأرقى تقربنا زلفى من عوالم الصفاء والقدسية.

الكتابة تنتشلنا من هذا العالم المخيف بكل عبثيته وتناقضه، بكل الهمجية والقذارة التي يقوم عليها بنيانه، تنتشلنا بأياد خفية سحرية في غفلة عن حراس المعبد وخدام الرب وجنود الشيطان.

الإنسان لم يعد ذلك الكائن المذنب والمدنس الذي عليه أن يقلق دوما لخطاياه، أو أن يعيش التشطي والإنفصام بين ضمير معاتب ونفس تواقة للجمال.

لم يعد الإنسان ذلك الكائن الذي عليه أن يسعى سعيا حثيثا للتكفير عن ذنب كونه إنسان.

ليس هناك شخص طيب بطبعه ولا آخر نذل بطبعه، الشخص نتاج التفاعل بين قوى الخير والشر بداخله، ومتى ما انتصرنا للخير كنا أخيارا ومتى انتصرنا للشر صرنا أشرارا...

ما أجمل أن تقرأ تفاصيل كينونتك حين ترتسم معالمها في عيون الآخرين.

جميل أيضا أن تغوص بحدسك واستبصارك في أعماق ذواتهم، وأن تتتسلى بكشف نواياهم وأسرارهم وتقييمهم لك.

أن تعاين انفعالاتهم، تحرجهم، استحياءهم، غيضهم وهو يغلي، حقدهم الدفين، حبهم، تكبرهم ....

ما أجمل أن تقابل ردود أعداءك وهم كثير بالجفاء واللامبالاة، جفاء لا ينبع من إحساسك المفرط بذاتك أو من تكبرك واستعلائك وتضخم أناك الأعلى، والنظر إلى نفسك كأنك الرب الأعلى ومركز الكون وما دونك كومبارس يملؤون تفاصيل المشهد كي لا يبدو مبتورا.

إنه جفاء ينبع من وعيك الواقعي باستحالة ثأثيرهم عليك.... فأنت الآن بفكرك النقدي محصن ضد كل شيء.

محصن بتوازنك، بثقتك بنفسك وايمانك بوجودك المنفرد الذي يسبق وينفصل عن كل وجود آخر.

لن تضرك أقوالهم ولن تنفعك، لن تدفع عنك الموت ولن تجلب لك الخلود فتلك أقصى أماني بني البشر.

لن يضرك نعتهم لك بأوصاف قد لا تحبها، إن أنت تحكمت في انفعالاتك ودققت في تفاصيل وجودك وسميت الأسماء بمسمياتها....

ر.ط

تحميل ..