أيّام الرّعب(الظّلاميّة و التنوير) | مدارج

Walid El Astal @walidelastal

2018-02-07 11:17:28 منشور معدل للعموم

أيّام الرّعب(الظّلاميّة و التنوير)

أيّام الرّعب ليس من أهمّ أفلام محمود ياسين، و لكنّني أرى أنّ التّيمة الّتي يقدّمها بالغة الأهمّيّة، فالفيلم قد يُوحِي للوهلَةِ الأولى أنّه يُعالِج قضيّة الثّأر في المجتمع المصري، و لكنّنا إذا أمعَنَّا النّظر في أحداثه، فسنجد أنّ قضيّة الثّأر ليست سوى غلالة رقيقة تستُرُ وراءها التّيمة الرّئيسة، ألا وَ هِيَ الصّدام بين الظّلاميّة و التّنوير، بين الماضي عندما يُطارِدُ حاضرَنَا، بل يغزُوه و لا يريد إفلاته و كأنّه لعنةٌ فرعونِيّة.

أمّا الفكرة المُتَفَصِّدَة عن التّيمة الرّئيسة الّتي يطرحها الفيلم، هي الخوف، كيف يشلّ الإنسان، فلا يستطيع الإنسان تحت وطأتِه أن يُدير أمور حياته البسيطة و الضّروريّة، فضلاً عن أن يُنجِزَ أو يُبدِع. فها هو محروس الرّجل المثقّف و المُتَّزِن، الّذي كان يعيب على دَرْدِيرِي (أحمد بدير) خوفَهُ الشّديد منَ القتل، يُبدِي مِنَ الجَزَع أضعاف أضعاف ما أبداه درديري الرّجل الجاهل، عندما أصبح موضوع ثأر عويضة (غسّان مطر) المجرم المحترف، فالخوف كفيل بالإجهاز على أعتى العقول، و لا أدلّ على ذلك من ما صنعته المكّارثيّة بالفيزيائي الشهير أوبنهايمر، و مدى الضّرر النّفسي الّذي ألحقته به.

لكن ما يتبدّى لنا جليّاً، هو أنّه بالرّغم من شدّة الرّعب الّتي أطاشَت لُبَّ كلٍّ من محروس و قبلَهُ دَردِيرِي، فإنّهما ما اِنفَكَّا يُحاولان التشبّث بحلم غدٍ تنقشع عن سمائه غيوم الرّعب، ما اِنفكّا يتعلّقان بأذيال الحُبّ، فمحروس يحلم بالزواج من سلوى (ميرفت أمين)، و درديري يحلم بحبيبته فاكهة. و هنا لنا وقفة، قد يمنع الخوف العقل من التفكير، و لكنّه لا يستطيع النَّيْلَ من حقّنا في الحُلم، يقول الرّوائي البرازيلي (خورخي أمادو) في كتابه (طفل في حقل الكاكاو سيرة ذاتيّة عن الطفولة)(ليس لدينا حقّ أكثر استقامةً، و أكثر ثباتاً من حقّنا في الحلم، إنّه الحقّ الوحيد الّذي لا يستطيع أيّ دكتاتور أن يُقَلِّصَ مِنْ حَجمِه أو أن يلغيه).

إنّ أقصى ما يسعى إليه محروس و درديري في الفيلم، هو حقّهما في الأمن و الحبّ، و هذا يدفعنا إلى إعادة بَلوَرَة تعريف البطولة، هل يستحقّها صانعو الحروب أم غزاةُ مشاكل و مصائب البشر و الذين يراعون هشاشة الإنسان؟ يقول (خورخي أمادو) في كتابه سالف الذّكر (هل سنُعجَب بنابليون أو نحبّه إذا نحن تذكّرنا باستور و شابلن؟).

إنّ الدّور الّذي يلعبه والد سلوى (صلاح ذو الفقار) للتخفيف من معاناة محروس، يُشبِهُ قليلاً الدّور الّذي لعبه الأب كابرال أو الرّاهب المارق، كما يُسَمِّيه (خورخي أمادو) عندما كان في مدرسة داخليّة كاثوليكيّة، غير أنّ والد سلوى خاب في مسعاه و الرّاهب كابرال، قد نجح و أهدانا كاتباً كبيراً بِحَجم خورخي أمادو(دَلّنِي الرّاهِب كابرال على رحلات جوليفر، و على سُبُل الحرّيّة، فتحت لي الكُتُب آفاقاً في سجني).

تتوالى أحداث الفيلم، إلى أن يصل محروس إلى درجة اليأس من النّجاة من قبضة عويضة، فيغادر منزله حافِي القدمين، ثم و في حالٍ أشبه بالجنون يتناول ساطوراً، ثمّ يخترق الجموع في حفل مولد الحسين، إلى أن يصل إلى عويضة فيعاجله هذا الأخير برصاصة في القلب، و يهوي محروس على رأس عويضة بساطوره، فيقتل كلٌّ منهما الآخَر. إنّني أرى في هذه المواجهة الدّامية بينهما و هذه النّهاية التّراجيديّة، شَبَهًا بين ما سيقع لا محالة في منطقتنا العربيّة من مواجهةٍ أخيرةٍ فاصلة بين الظّلاميّة و التّنوير، و لن تكون نتيجة هذه المواجهة أقلَّ من بحرٍ من الدّماء. لقد عانى أمادو كثيراً بعد أن قرّر أن لا يكون نسخةً عن الآخَرِين، أن لا يَمنحَ أحدهم وكالةً تخوّله التفكير بَدَله(لقد علّمتني التّجارب القاسية الطويلة على مدى السّنين، أهمّيّة أن تفكّر أنت بدماغك، ولكي أفكّر و أتصرّف بما أراه أدَّيتُ ثمناً باهِظاً، و أصبَحتُ مُستَهدَفاً من طَرَف كلّ الدّوريّات و الأيديولوجيّات و الأرثوذكسيّات الجذريّة، أَدَّيتُ الثمن باهظاً و لكنّه مع ذلك كان ثمناً بخساً)

لقد كانت جموع الثوّار الفرنسيّين تقول (ننتصر أو نموت من أجل الحريّة)، نعم لقد دفعوا مهر الحرّيّة غالياً فاِستَحَقُّوها بذلك عن جدارة، حتّى أنّني أمتّع عَينَيّ و أنا أنظر إلى أعلى مبنى بلديّة مدينة تروا TROYES التي انتقلت للعيش فيها مؤخَّراً، و قد كُتِبَت عليه جملةٌ لم أجدها على أيّة بناية في المدن و الدّول الكثيرة الّتي زُرتُهَا إلى الآن(الحرّيّة، الأخوّة، المساواة، أو المَوْت).

تحميل ..