احمد عباس الملجمي @Abbas199062

2018-02-06 16:52:30 للعموم

بين القلق والنرجسية.. دوستويفسكي والمُثل الرقمية

لا أصدق أن يتكلم الأديب الروسي "فيودور دوستويفسكي" عن حالة القلق الاجتماعية والنرجسية الحاصلة اليوم، والتي أصابت شرائح نخبوية كثيرة في مجتمعنا وخصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي، ممثلاً تلك الحالة قبل قرنٍ ونيفٍ من الزمن في روايته "المُثلِ" والتي كان بطلُها الشخصية المتطفلة والنرجسية "جوليادكين".

في تقريرٍ رائعٍ للمدونة والمترجمة السورية أراكة عبدالعزيز على موقع (ميدان)، يتكلم التقرير بشكلٍ رائع عن ما قاله "دوستويفسكي" في تلك التحفة الأدبية الفلسفية والنّفسية، التي شرحت حالة الصراع بين الذات ومثيلَتها الافتراضية بطريقة تشريحية دقيقة، تلك الذات الافتراضية التي تضحك بينما تنام ذواتُنا وهي تشعر بالوحدة والقلق والاغتراب والحاجة إلى العُزلة عن الآخرين. يتساءل التقرير لماذا يشعرُ أحدُنا بكل ذلك العناء بينما يُحيطُه الآلاف من الأصدقاء؟ بطريقة دوستويفسكية قارن التقرير بين حالة الصراع التي عاشها بطل الرواية جوليادكين مع "مُثلِه" في شوارع سانت بطرسبورغ، وبين ما يعيشها رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع "مُثلِهم الرقمية".

بشكلٍ حصريٍ استند بطلُ الرواية "جوليادكين" في منح القيمة الذاتية لنفسه على مبدأ نرجسي خالص، الجميع ينظرإلى هيئته المهيبة التي تشقُ الصفوف، يراها ترتسم على حدقات أعين الناظرين إليه، الآذان تُلقي السمع بشيء من الترقب والإنصات المُذعن، تقول له "مُثله" انظرهناك في أعلى الساحة، مجموعة من النّسوة يهمسنّ فيما بينهنّ ويغمزن نحوك، ثم تُسهب في الكلام قائلة لا تنظر إلى الأسفل، ارفع رأسك عالياً، لا تجعل بصرك يلتقي مع نظر أحدهم، فحينما يغيبُ نظرك عن الحاضرين، تُصوب نحوك الأنظار مُشرئبة تواقة مادحة. فالهدف الذي كان يسعى من أجله جوليادكين هو أن يُصبح له جمهورٌ كبير، كان يشعرُ باللذة وهو يعيش دور البطل، مسرحية طويلة يتمنى ألا تنتهي.

تخيل أنك أنت من صنعت تلك الذات الرقمية، أنت من عمِل لها تاريخ ميلاد وصورة شخصية واهتمامات خاصة، حالات تتغير بين الحينة والأخرى، أنت أيضا من جعلها تحتفل مع الآخرين وتضحك وتتبادل النّقاش وتربط الصداقات والعلاقات، أنت من جعلها شخصية ناقدة مفكرة ملهمة، بينما أنك في الحقيقية لم تعش شيئا من كل ذلك، ينتهي بك اليوم منزوياً وحيداً تبحث عمن يُجالسك ويواسيك، في اللحظة التي تجوب مُثلِك الرقمية كلّ أنحاء العالم، تكسب الصداقات وتُعجب الأصدقاء وتجذب الغرباء نحوها.

لعمري أن مجنوناً يعيش في أركان الشوارع وأزقة البيوت يعيش حالة انسِجامٍ مع مُثلِه، خيراً من أولئك الذين يعيشون حالة انفصامٍ عن ذواتهم وواقعهم الحقيقي، تجرّهم المُثلِ والذواتِ المتعددة تراهم يهيمون كل يومٍ بواد.

وكما تقول المدونة "أراكة عبدالعزيز" أن تعيش عارياً تحت هالة من الضوء تسلّطُها عليك تصوراتك غير السوية، إنما سيبعثُ فيك المزيد من الألم ويمنح الاضطراب كل القوة كي يستشري فيك أكثر فأكثر

تحميل ..
أظهر تعليقات أكثر ..
Natasha Josephe @natashajosephe
التفاتة مفيدة ومحفزة لقراية الرواية بعمق يحاول الغوص في اسجلاء ما تفظلت به,لك لك الشكر
2018-02-28 14:01:37
Natasha Josephe @natashajosephe
التفاتة مفيدة ومحفزة لقراية الرواية بعمق يحاول الغوص في اسجلاء ما تفظلت به,لك لك الشكر
2018-02-28 14:01:37