Walid El Astal @walidelastal

2018-02-02 09:35:14 منشور معدل للعموم

جسور مقاطعة ماديسون

جسور مقاطعة ماديسون

********************

يقول محمود درويش عن الحبّ في قصيدته المُعَنْوَنَة(هو الحبُّ قاتلٌ و بريء) يُفاجِئُنَا حين ننسى عواطفنا. هذا ما حدث مع فرانشيسكا (ميريل ستريب) و روبرت ( كلينت إيست وود) في فيلم (جسور مقاطعة ماديسون) the bridges of madison county، فرانشيسكا ربّة العائلة الإيطالّيّة الأصل، ذات الشخصيّة الحالمة و الطّموحة و المحافظة إلى حَدٍّ ما في نفس الوقت، و روبرت المصوّر المتجوّل، الّذي يعمل لصالح ناشيونال جيوغرافيك، عندما تجمعهما الحياة دون سابق إنذار في غياب اِبنَيْ فرانشيسكا و زوجها الطيّب المُفتَقِر إلى الجاذبية و إلى سِحر الشَّبَق.

فيلم جسور مقاطعة ماديسون، قصّة الحُبِّ الكبير، الّذي لا يَطرُق قلوبَنا إلّا مَرَّة واحدة في الحياة، أو قد نحيا عمرَنَا كلّه دون أن يعترض سبيلنا.

هكذا تتذوّق فرانشيسكا هذا الحُبِّ دون أن تأكلَ منه حتّى التُّخمَة، خَشيَة ما سَيَحِيق بزوجها من أَلَمٍ و معاناة إذا ما اِنفَصَلتْ عنه، و أيضاً خَشيةَ أن تتناهشها أَلسِنَةُ أهل القرية.

إنّ الجريمة الأكبر منَ الخيانَة الزَّوجيّة من وجهة نظري، هي الجريمة الّتي نرتكبها في حقّ أنفسنا، عندما نرتبط بشخصٍ لأنّه طيّب حتّى و إن كنّا لا نُحبّه ، أو لأنّه ينبغي علينا أن نتزوّج، لأنّ الجميع يتزوّجون، أو لأنّه ينبغي علينا إيجاد قَنَاةٍ (شَرْعِيَّةٍ) لِتفريغِ سُعَارِنَا الجِنسِيّ. كان لهذا المَنطِق الأَعوَج أن يَستَقِيم، لَوْ كنَّا كلاباً مثلاً، أمّا و نحن بشر فالأمر يتطلّب أكثرَ من هذا بكثير، إنّنا نتزوّج لنمارس الحبّ، و ليس لنمارس الجنس.

تقول فرانشيسكا محدّثةً نفسها، و هي جالسة على مائدةِ العَشَاء معَ أُسرَتِهَا، بعد رؤيتها لروبرت للمرّة الأخيرة (لقد أَدرَكتُ أنَّ الحُبَّ لا يُطِيعُ توقّعاتنا، إنّ سرَّهُ نَقِيٌّ و مُطلَق، ما كُنّا نَملِكُهُ أنا و روبَرت ما كان لِيَدُوم لَوْ كنّا معاً، و الّذي نتشاركه أنا و ريشار (زوجها) يَختَفِي إذا ِفتَرَقنَا)، إنّني أوافقها في مقدّمة كلامها و أخالفها في الذي اِنتَهَت إليه كاِستنتاج إلى أقصى حدود المخالَفَة، فبالنّسبة لي إنّ أَلْفَ اِنفِصَالٍ سَبَقَهُ حُبٌّ جارِف، أفضل بما لا يُقَاس بما يُسَمّى زواجاً (نَاجِحاً)، ليس قائماً على حُبٍّ عميق، لأنّ حَقّنا في الحُبّ مُقَدَّمٌ على حَقِّنَا في الزّواج. إنّ الزّواج ثمرَةُ الحُبِّ و اِبنُهُ، حتّى و إن كان هذا الاِبنُ عاقّاً و مُتَمَرِّداً، فإنّي أتحمّلُه و أحبّه أكثَر مِن أَلْفِ زواجٍ أشبه بألفِ ولَدٍ لقيطٍ مُطِيعٍ تُنسَبُ إليَّ أُبُوَّتُهُ عُنوَةً.

قد تكون الصّراحةُ سَمِجَةً في مَواطِنَ كثيرةٍ إلّا أنّها في الحُبِّ تكون مُستَحَبَّة، لأنّه لا مجامَلَةَ في الحُبّ، فالحُبُّ يكون أو لا يكون، و إنّ الشّفقةَ كثيراً ما تكون مَندُوبَةً إلّا في الحبّ، فحذَارِ منَ الشّفقة، كما صاحَ ستيفان زفايج مُعلِناً ذلك في روايتِهِ الخالدة (حذارِ مِنَ الشَّفَقة)، و كما أوضحه جلال أمين في سيرته الذّاتيّة الموسومَة بماذا عَلَّمَتنِي الحياة؟ عندما كان بصدد الحديث عن شكل العلاقة، التي كانت بين أبيه الأديب الكبير أحمد أمين و أمّه ، و الّتي يصفها بالبرود العاطفي من قِبَل الأب، والتّوجّس و التّرَقّب من قِبَل الأمّ، التي كانت لا تفتأ تحبُلُ وَ تَلِد رَغم تذمّر أحمد أمين، و إصراره العَبَثِيِّ على الإجهاض، و اِكتشاف جلال أمين في مذكّرات والده جملَةً، لطالما كرّرها أحمد أمين (إنّ زوجتي ليست جميلة و لكن أرجو أن أصل إلى مرحلة القناعة بها كزوجة). لماذا كلّ هذا العناء أستاذنا الكبير؟ لماذا تزوّجتها بدايَةً فشقيتَ بها و أشقَيتَهَا المسكينة؟ أمّا إن اِعتَرَضَ عَلَيَّ مُعتَرِض بقولِه أين أنت من كلام النّاس و عادات و تقاليد المجتَمع؟ فأجيبه بجملة كتبها حيدر حيدر في روايته (وليمة لأعشاب البحر) مُعَنِّفاً معَانٍ قريبة من هذه المعاني (في مُؤخِّرَتِي).

تحميل ..