مصطفى حمدون @ibn_hamdoun

2018-01-01 20:52:08 للعموم

ضرورة فهم دلالات الرموز عند أصحابها

                                                                        ( 1 )

       اعلمْ أنَّ اللغةَ الإنسانيةَ نظامٌ منَ الرُّموزِ يستخدمُه جماعةٌ مِنَ الناسِ؛ لكي يُعبِّرُوا بهِ عنْ أغراضِهم المتعدِّدةِ؛ كأنْ يَذكُرَ أحدُهم لغيرِه معلومةً، أو يسألَه عن شيءٍ، ونحوِ ذلكَ منَ المعانِي التي يحتاجُ الإنسانُ أن يَتواصَلَ مع غيرِه بشأنِها.

      ومِنَ المعلومِ أنَّه يُمكِنُ أنْ يَتعلَّمَ تلك الرموزَ أحدٌ مِن خارجِ هذه الجماعةِ؛ ليَتواصلَ مع أفرادها كأنَّه واحدٌ منهم.

      هذه الرموزُ قد تكونُ أصواتًا أو إشاراتٍ أو رَسْمًا، ولا بُدَّ مِن نظامٍ لطريقةِ استعمالِها معروفٍ بين أبناءِ الجماعةِ الواحدةِ، وتختلِفُ هذه الرموزُ كلُّها أو بعضُها بين الجماعاتِ المختلفةِ، وكذلك تختلفُ الأنظمةُ التي تحكمُها.

        وينبغي أنْ تعلمَ أنَّ هذا النظامَ الحاكِمَ لطريقةِ استعمالِ الرموزِ للتعبيرِ عن الأغراضِ المتعددةِ = نظامٌ يحكمُه المنطِقُ العُرْفيُّ لا العَقْلِيُّ. والفَرْقُ بين هذَيْنِ المنطقَيْنِ [العرفيّ والعقليّ] هو في عدَمِ وُجودِ سببٍ لكلِّ ظاهرة أو وُجودِه؛ ففي حينِ أنَّ المنطقَ العقليَّ يقتضي -غالبًا- وجودَ سببٍ لكلِّ شيءٍ، نجدُ أنَّ المنطقَ العُرفيَّ لا يُشتَرَطُ فيه ذلك، وإنما هو ما توافقتْ عليه الجماعةُ الواحدةُ.

       ولهذا يقولُ علماءُ اللغةِ: "إنَّ نظامَ اللغةِ الإنسانيةِ عُرْفيٌّ اعتباطيٌّ"، بمعنى أنه لا يلزمُ وجودُ علاقةٍ عقليةٍ أو سببيةٍ بين الشيءِ واسمِه؛ فلا تُوجَد علاقَة بين كلمة (أسَد) وذلك الحيوان الذي يتصوره العقل عند سماع الكلمة، وإنما ذلك نتيجة اصطلاح العرب على هذا الاسم؛ ليكون دليلا على ذلك الشيء. وهذه الحال أشبه بما نفعله عندما نختار أسماء الأطفال؛ حيث لا توجد علاقة حقيقية -غالبا- بين الاسم وصاحبه، إلا مِن باب أننا قد نستبشر بمعنى الاسم في عقولنا، أو بأحدٍ مِن الذين يحملون ذلك الاسم، ونحو ذلك من الأسباب... لكن ذلك لا يمنع من وجود بعض المنطق العقلي في المنطق اللغوي العرفي؛ إذ إن اللغة نتاج الإنسان، وإنما تميز الإنسان بين المخلوقات بالعقل والقدرة على الاختيار الحُرّ...

       لذلك إذا وجدْتَ أهل لغة يقولون (رَجُل) كالعرب، وآخرون يقولون (man) كالإنجليز، وآخرون يقولون (مَرْدي) كالفُرْس... فلا تظُنّ أن الدلالة العامة مختلفة لاختلاف الألفاظ، وإنما هذا مُصطلَح كل جماعة.

                                                                         ( 2 )

        لما سعى الإنسان إلى البحث في أسرار الحياة، واجتهد في وضع علوم يستعين بها على كشف تلك الأسرار، احتاج إلى وضع ألفاظ تشير إلى المعاني التي توصَّل إليها في كل علم، فكان من الطَّبْعِيّ أن يلجأ العالِم إلى لُغته التي يستعملها هو وقومه؛ ليختار كلمة تناسب ذلك المعنى، فقد يختار كلمة يستعملها قومُه بالمعنى نفسِه الذي يريد، أو بمعنى قريب، أو يشتق كلمة على طريقة لغته... فيصبح للكلمة عندئذ معنيان أحدهما لغوي عام [أي المعنى الأصلي الذي تستعمله الجماعة اللغوية]، والثاني اصطلاحي خاص بذلك العلم.

      وكما أنه لا يُقْبَل أن يدَّعي أحدٌ من العرب أن معنى الكلمة الإنجليزية "fat" التي تُنْطق بصورة مماثلة للفعل "فَات" في اللغة العربية، هو "مضَى" أو "مَرَّ"، بحُجَّة أننا -نحن العرب- نقول: "فات مِن هُنا" أي "مَرَّ مِن هنا"، ويزعم أن الإنجليز أخطَؤُوا عندما استعملوها لمعنى "سَمِين" أو "دُهْن" أو "دَسَم"، فلا شكَّ أنه سيُرَدُّ عليه بأن هذه لغة غير لغتنا، والمشابهة في النطق لا يلزم عنها الاتفاق في المعنى...

     كذلك هي حال العلوم؛ لها مصطلحاتها الخاصة، ولا يلزم عن التشابه في اللفظ بين استعمال الجماعة واستعمال أهل العلم أن يكون المعنى واحدًا.

        لذلك كان من الواجب في البداية على الذي يريد أن يقرأ في علم ما، أو يحكم عليه، أو يُخاطِب أهلَه - أن يعرف مصطلحات ذلك العلم؛ حتى لا تختلط عليه الأمور، وقد نجد أن الكلمة الواحدة لها أكثر من معنى في العلم الواحد، إذا اختلف الموضِع داخل العلم، وقد نجد أن لبعض أهل ذلك العلم مصطلحات خاصة بهم، أو نجد لمذهبٍ ما مصطلحاته الخاصة...

       بل إن الأمر ليس مقصورا على العلاقة بين اصطلاحات العلوم واصطلاح أهل اللغة العامة، فالحال كذلك معَ مَن يريد أن يفهم كلاما قيل بلُغته التي ينتمي إليها لكنه في زمان سابق على زمانه؛ فعليه أن يدرك أنه من الممكن أن يكون استعمال السابقين لبعض الكلمات مخالفا لاستعماله هو في عصره، وكذلك الحال إذا اختلفت البيئات مع اتفاق اللغة العامة الواحدة؛ إذ إن بين اللهجات اختلافا، وكذلك الحال بشأن الوظائف، فكم مِن أحَدٍ توَلّى عملا وهو غير أهل له، ومع ذلك إذا سُئل: ما عمل فلان؟ قيل: "كذا"، وكَم من جالس على كرسي كان حقَّه في نظر الناس أن يكون فرشَه !

           وإنما هي اللغة فيها ما يُستعمل للحقيقة ولغيرِها من الْمَجاز، والمصطلحاتُ مَجازٌ...

                                                                            ( 3 )

            إليك أمثلةً تُعينك على إدراك ما سبق من ارتباط دلالة اللفظ بعُرف مُستَعمِله:

         1- جاء في المعجم الأوسط للإمام الطبراني (رحمه الله) عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن امرأتين خرجتا معهما صبيَّان لهما، فعدا الذئب على إحداهما، فأكل صبيها، لكن المرأتين اختصمتا في الصبي الباقي، كل واحدة تدعي أنه ولدها، فقال سليمان (عليه السلام) عندما عَرَضَا عليه الأمرَ: "ائتوني بسكين" [قال أبو هريرة: وأول ما سمعته يذكر السكين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إنما كنا نسميها المدية] قالت الصغرى: لِمَ؟ "قال(عليه السلام) : "نشقه بينكما". قالت: "ادفعه إليها"، وقالت الكبرى: "شقّه بيننا"، فقضى به سليمان (عليه السلام) للصغرى؛ قال: لو كان ابنك لم ترضَيْ أن تشقيه"...

          تجد في هذا المثال أن أبا هريرة (رضي الله عنه) - وهو العربي اليمني - لم يكن يعلم لفظة "السكين" العربية التي استعملها النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ وهذا يُظهِر أن بين أهل اللغة الواحدة اختلافا إذا اختلفت البيئة، واللغة -كما يقال- بنتُ بيئتها.

           2- جاء في الآية التاسعة عشرة من سورة يوسف: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ...} فهل من الممكن أن نفهم من كلمة "سيارة" في الآية هذا المعنى الذي نفهمه اليوم؟!

          ذلك -لا شك- ممتنع؛ إذ إنّ ذلك المعنى الذي يقفز إلى الذهن عند سماع هذه الكلمة -الآن- هو تلك العربة الآليّة سريعة السير التي تسير بالبنزين ونحوه، وتُستخدَم في الركوب أو النقل، ذلك معنًى حديثٌ لم يعرفه السابقون من العرب الذين عاشوا قبل القرن التاسع عشر الميلادي، وإنما المعنى أنه جاءت قافلة... وكذلك كلمة "وارد" أيَصِحُّ أن يفهما أهل التجارة والاقتصاد في زماننا على أنها ضد مصطلح "الصادر"؟!

       3- كلمة "سُنَّة" في اللغة تعني السيرة أو الطريقة سواء محمودة أم مذمومة. وعند علماء الحديث تعني "كل ما جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية سواء قبل البعثة أم بعدها"؛ فهي أقرب للمعنى اللغوي العام. أما السُّنّة عند علماء أصول الفقه فتعني "أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله وتقريراته مِمَّا يصلح أن يكون دليلا شرعيا". وأما إذا قال لك الفقيه (المفتي) عن شيء: "إنه سُنّة" فاعلم أنه ليس واجبًا... لذلك وجَب معرفة اصطلاح كل قوم.

         4- لفظ (مُفرَد) -عند النحاة- له أكثر من معنى؛ فهو بمعنى الواحد إذا استعمل عند الحديث عن دلالة الكلمة على العدد في مقابلة المثنى والجمع، وقد يكون بمعنى غير المركب، وقد يكون المفرد بمعنى ما ليس جملة ولا شبهها... فعلى الدارس أن ينتبه.

        5- ومِن طرائف ما وقفت عليه في هذا المعنى أن الصفحة الإلكترونية الرسمية لدار الإفتاء المصرية نشرت يومًا عبارة فيها وصف للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه كان بشوشا [يتبسَّم إذا لقي أحدًا]، ونَصُّ العبارة هو "كان النبي (صلى الله عليه وسلم) باشًّا لطيف المعشر متسامحا رحيما"، فاعترض بعض المعلِّقين على المنشور، ورمَى القائل بالجهل والخطأ في مقام النبي ، وما ذلك إلا لأن المعلِّق قد سيطر على ذهنه ذلك المعنى المشهور بين المصريين أن "الْبَاشَا" هو حامل حذاء السلطان، ولم ينتبه إلى الشدة ( ــــــّــــ ) الموجودة فوق الشين، وأن هذه كلمة غير تلك، فلفظ "باشّ" اسم فاعل من الفعل "بَشَّ" الذي بمعنى ضحك أو تبسَّم أو تهلَّل وجهُه، وما تلك الألف التي بعد الشين إلا لموافقة كلام العرب الذي ينصب الكلمة إذا وقعت خبرًا عن اسم كان، فإن كانت نكرة تنوَّن -غالبا- وتُوضَع ألف في آخرها، فصارت "باشًّا".

        فقد تبيَّن لك أن الألفاظ وما تدل عليه أمر عُرْفي يختلف باختلاف الجماعة اللغوية سواء كان ذلك بسبب المكان أم الزمان أم المجال الاستعمالي... فاحذر أن تخلط بين الدلالات.

                                                                             ( 4 )

        إنما أطلْتُ عليك الكلام في هذا الشأن لأهميته، وأنَّ أكثر أخطاء المبتدئ في طلب علمٍ ما سببُها سيطرة المعنى الذي يستعمله في حياته العادية على عقله، أو اختلاط مصطلحات العلوم في ذهنه، ومن أمثلة ذلك في علم النحو:

      1- يتعلَّم المبتدئ أن الفعل يدل على معنى وزمن، أما الاسم فيدل على معنى من دون زمن؛ فإذا سُئِل عن كلمة "ضَرَبَ"، قال: "فِعل"، وإذا سُئِل عن "كبير"، قال: "اسم"، وإذا سُئِل عن "ضَرْب" بتسكين الراء، تلجلج واحتار أمِن الأسماء أم الأفعال؟ وكثيرٌ من المبتدئين يقول: "فِعْل" ، لكن الدارس إذا ترك ذلك المعنى المفهوم في اللغة العادية من لفظة "فعل" وهو "الحدَث"، وانتبه إلى أنَّ مصطلح "الفعل" مقيَّدٌ بالزمن لأدرك الصواب، وقال: إن "ضَرْب" اسم؛ لأنها لا تدل على الزمن.

       2- كذلك يختلط عليه الفاعل بالمفعول، فإذا سُئِل عن إعراب "زيد" في نحو "جاء زيدٌ" سيقول: "فاعل"، وذلك صحيح فإنه هو الذي فعل المجيء، فإذا قيل له: "مات زيدٌ" قد يتردَّد؛ لأن زيدا لم يفعل الموت بل الموت واقع عليه، لكنه قد يقول: "لعل هذا مِن باب المجاز الدلالي". ويزداد التردد والحيرة إذا سُئِل عن إعراب "الزجاج" في نحو "انكسر الزجاجُ"، فإن كثيرًا منهم سيقول متسرِّعًا: "الزجاج: مفعول به"، مع أن النحاة يُعرِبونه فاعلا... ذلك لأنه ظن أن معنى الفاعل في العُرْف النحوي هو الذي قام بالفعل، وإن توسَّع قال: "حقيقة أو مجازًا"، لكن جمهور النحاة متفقون على أن الفاعل هو "الاسم المرفوع بعد فعل [يُسَمّيه كثير منهم بالفعل المبني للمعلوم] هذا الفعل مُخْبَر به عن ذلك الاسم المرفوع"، وبناء على هذا الاصطلاح يُعرَب لفظ "الزجاج" فاعلا...

     فعلى المبتدئ أن يُدرِك أن المصطلحات التي يستعملها النحاة في إعراب الكلمات إنما هي أسماء وظائف لها شروطٌ توافقوا عليها، سواء وافق ذلك الحقيقة أم لا.

      وحالك في الإعراب مثل حالك إذا رأيت مُمِثّلا في عمل مسرحي يقوم بدور طبيب، وأنت تعلم أنه في الحقيقة غير ذلك، لكنك إذا سُئِلتَ عن دوره في المسرحية ستقول: "طبيب"؛ لأن هذا هو الدور الذي حدَّده له المؤلّف والمخرج... فكذلك الحال إذا سُئِلتَ في النحو عن إعراب كلمة في جملة، فعليك أن تجيب بما يوافق الشروط التي وضعها النحاة، فتكشف عن اسم وظيفتها النحوية وما يتعلّق بالوظيفة من أحكام أخرى.

         فاجتهد -أعانك الله على ما ينفعك في الدارين- أن تفهم دلالات مصطلحات العلم الذي تريده، ولا تخلطها بغيرها، يتيَسَّر لك خيرٌ كثير، ويسهل عليك أمرُ العلم العسير.

                                                                                                      مصطفى حمدون أمين

                                                                                  باحث في علوم اللغة العربية والفكر الإسلامي

تحميل ..
أظهر تعليقات أكثر ..
Lamine Ain El Djaneb @lamineaineldjaneb
لا عليك ، كما أنه لم يتوجب عليك التظاهر يتقبل النقد . كل ما يقع عليك هو أن تتحكم أكثر بالحركات لا غير .
2018-01-05 22:54:00 1
مصطفى حمدون @ibn_hamdoun
أجتهد -إن شاء الله- في زيادة الاهتمام بمواضع الضبط... أشكر لك اهتمامك بالرد، وبرفع الإصر، وتوضيح النُّصح.
2018-01-05 23:44:46