وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2017-12-12 20:06:39 للعموم

عندما تكون شابا تونسيا

إستيقظ جمال في الصباح قبل رنين المنبه، أحس بشاهية غير عادية في تناول الطعام، إستحم و حلق لحيته و تناول الفطور و الدواء و غير ملابسه و قصد عمله و وصل قبل الوقت، تذكر أن له موعد الليلة رفقة الجمع، أحضر قهوة و إقتنى صحيفة و لازم مكتبه.
هو مرتاح نفسيا في هذه اللحظات، و الراحة النفسية لا توجد إلا بوجود مسببات رائعة بعيدة عن عالم المادة و القوالب. عالمنا اليوم عالم غريب جدا، أحيانا نحس فيه بضيق في التنفس، لأنه إكتظ بالكثير ممن ليسوا إلا أرقاما تائهة مجهولة لا تنفع و لا تضيف شيئا. لا يكترث أحد لأمر البسطاء و الأرامل، و المدمنين و حتى الإرهابيين. فالإرهابي بعيدا عن تعقيدات القانون و شباكه التي لا تصطاد إلا الحشرات الصغيرة، هو ليس إلا منتوجا لسياسة ما، سياسة فقر و تهميش و قتل بطئ. هو سئم الوجوه المنتفخة و القبيحة و الرفض و التمييز، و وثق في آخرين منحوه منزلة أرفع من التي كان عليها.
وجوه إبتسمت له و أخبرته بأنه خليفة الله في الأرض، و أنه يمثل الحل بالنسبة للأمة و ليس مواطنا يأكل و يشرب و ينتخب و يحال على التقاعد و يصيبه مرض مزمن يكون السبب في وفاته. بل بالعكس، يخبرونه بأن له حق على سطح هذه الأرض كغيره من المسؤولين و السادة. و أسباب السعادة كثيرة منها شخص يكترث لأمرنا و يهتم بتفاصيلنا، فمريم منحت جمال سببا للعيش كإنسان، له هدف و له وسائل للوصول إليه، لتجنب العدمية، و لخوض المغامرات و تحقيق الأمنيات و الإستمتاع. الحب هو ذلك الطيف الذي سيرافقنا عندما نقع فيه، و الذي يحقق لنا ما نطلبه، سيكمل لنا كل ما ينقصنا، و سيمنحنا الرضا و السعادة. سنشعر عندها بالغبطة رغم ما نمر به من متاعب التي لن نتفطن إليها، فالحب نوع من المخدرات المحمودة، المجانية، الشرعية و المشروعة. لن نفكر في كل ما يمكنه أن يعيق تقدمنا و يعكر مزاجنا، و لن نتحدث بعد ذلك مع كل من يسعى  لتحطيم نفسيتنا المتماثلة للشفاء. فالأمر بسيط جدا و لا يتطلب كل هذا التعقيد. خرج من مكتبه الكائن ببهو المحكمة، يشعل سيجارة و يتأمل المارة و السيارات، يتمنى أن يمتلك سيارة مثل سيارات القضاة لكن يثوب إلى رشده حين يتذكر مرتبه البسيط أو ماذا يتبقى منه بعد سداد الديون و شراء كل المستلزمات. يلتقي بأحد عملة النظافة الذي خرج بدوره للترويح عن نفسه من مشقة العمل.
- صباح الخير سيد جمال.
- (يخجل جمال من عبارة "سيد" و يشعر بأنها لا تليق به) مرحبا، صباح الخير.
- إنه يوم جميل.
- نعم بكل تأكيد، هل أنت بخير ؟
- الحمد لله، لكن سنقوم بإضراب هذه الأيام.
- و ماهو السبب ؟
- لقد إتفقنا مع الوزارة بأن ترفع رواتبنا، لكن الإتفاقية لم يتم تفعيلها بعد.
- إن سبب كل المشاكل في هذا البلد هم السياسيون. 
- نعم بطبيعة الحال.
- أتعلم لماذا يكون السياسيون عادة أبناء رخيصات ؟
- لا بل أخبرني أنت.
- لنفترض جدلا أنك منحت أحدهم وزارة الصحة، رغم أنه مختص في النزاعات الجبائية، سيرتمي بسرعة بين أحضان الطمع، سيسيل لعابه و سيرحب بالفكرة. ليحرز على منصب الوزير و ليدعم سيرته الذاتية ليتباهى بذلك أمام أصدقاءه رجال الأعمال و الإطارات العليا عند أول باربكيو يقام في حديقة أحد المنازل. سيقوم بتدمير قطاع الصحة كليا و سيفتعل المشاكل مع الذين يشتغلون في قطاع الصحة، إلى أن تسحب منه تلك المهمة لأنه من المستحيل أن يستقيل طوعا ليقتصر على الإعتذار و تبرير أخطاءه بالظرفية الصعبة التي تسلم خلالها المسؤولية. إذن هل هم أبناء رخيصات أم ليسوا كذلك ؟
- نعم، إنهم أبناء رخيصات.
- لا، ليسوا كذلك، لا يوجد في هذا العالم أبناء رخيصات غيرنا، لأننا لا نحرك ساكنا تجاه هذه الممارسات، هل بإمكاني أن أسألك ؟
- بكل تأكيد، تفضل.
- هل أنت مرتاح في عملك ؟
- و الله يا سيد كمال أنا مقتنع به، أضغط على مصاريفي لأوفر مصاريف العائلة، لقد تعودت عليه، فهو الذي يدر لي المال لأعيش، فكيف لا أحبه و لا أكون مرتاحا فيه ؟ أنا لم أواصل دراستي و أغرتني حياة الشارع و إحتضنني أصدقاء السوء، لذلك يجب أن أتقبل ذلك.
- فهمتك، و هل أنت مرتاح في عائلتك ؟
- الحمد لله بالرغم من صعوبة الوضعية المادية.
- كلنا نعاني نفس المشكلة.
- أنا أمتلك بيتا يبعد عن مكان العمل مسافة أمشيها عبر الدراجة، و لي طفلان مشاكسان أحدهما متشبث بالدراسة و أنا أسخر نفسي له ليصل إلى مراتب حلمت يوما ببلوغها، و الآخر عامل بناء.
- حسنا، و كيف خطرت ببالك فكرة الزواج ؟
- يا حسرتاه على تلك الأيام، لقد أستقل القطار متجها نحو العاصمة من أجل أداء الخدمة العسكرية، أعجبتني إحدى الفتيات التي تجلس بفردها، و كنت حينها شابا جريئا. لم تمنعني الوقاحة من الجلوس بجانبها و طلب الحديث معها، تبين أنها إبنة الجهة التي أقطن بها و تتجه نحو العاصمة للدراسة. لقد أحببتها من كل قلبي و راسلتها كثيرا من داخل الثكنة و راسلتني هي الأخرى، و إنقضت السنة و كأنها عقد من الزمن، لقد أعجبت بها و رغبت في التحدث معها عن الزواج بالرغم من أني لا أملك شيئا وقتها، لا عمل و لا مال و لا منزلا.
- و بعد ذلك..
- لقد توفي والدها في حادث مرور مريع، و لم تتقبل هي الأمر حتى إنعكس ذلك سلبا على نفسيتها، كادت أن تموت من شدة التفكير و الكآبة، و إنقطعت عن الدراسة لأنها لم تستطع ترك أمها لوحدها في منزل لم يعد جميلا مثل السابق. عرضت حينها عليها فكرة الزواج بكل ثقة في النفس، و تزوجنا على سنة الله و رسوله و إتخذنا من منزل والدها منزلا لنا لكي نهتم بوالدتها التي لم تبقى معنا سوى سنتان فقط، رأت فيهما زواج إبنتها و شهدت مولودها الأول قبل أن توافيها المنية. رحمها الله و أسكنها فراديس جنانه، لقد كانت إمرأة طيبة.
لقد أحس كمال بأن كل كلمة نطقت خصيصا من أجله، تشبه الحكاية حكايته إلى حد كبير. فكمال أيضا كان قد قابل مريم لأول مرة في سيارة الأجرة، و كانت وضعيته المادية متدهورة جدا لأنها تتبع بالأساس وضعية عائلته. و لا يزال إلى حد هذه اللحظة يفكر في طلب الزواج منها، لكنه لا يريد أن يهمل الزوجة و أن لا يحسن معاشرتها، بالتالي فالأجدر هو أن يحسن وضعه و يهيأ نفسه إلى مؤسسة الزواج التي تشترط المال و المنزل قبل كل شئ آخر و لو كان الصغار.
الوقت يمر بسرعة و أصدقاء السوء لا يعرفون سوى الهرج و المرج و لا يفكرون بمصلحتهم، أفراد المجتمع يسلطون أعينهم على من غادر القرية، ينتظرون ذلك المغترب إلى حين عودته ليروا ماذا جلب لأهله و ماذا سيفعل بالمال، و سينبذونه بطريقة غير مباشرة إن عاد فارغ اليدين، و ستتفوق الشائعات على الحقيقة و سيأكلون من لحمه كل دقيقة، و كمال لا يملك شيئا بعد إثني عشرة سنة من العمل. ماذا سيفعل ؟ و كيف سيشرح لهم الأمر ؟ و من سيصدقه ؟
إنقضى اليوم بسرعة على عكس الأيام السابقة، الشمس على وشك الغروب حيث غادر كمال العمل قاصدا أصدقاءه تاركا عملة النظافة بصدد تنظيف المكان. عملة النظافة هم فئة من الفئات التي تكون المجتمع، لكن حقوقهم مهضومة ولا جهة موجودة لتبني مطالبهم و الدفاع عنهم. يستيقظون باكرا، يتجهون نحو العمل بعد أداء صلاة الفجر مباشرة، يغيرون ملابسهم و يقضون يوما عسيرا من الحركة المتواصلة بتنظيف بهو المحكمة و مقاعد الإنتظار و قاعات الجلسات و مكاتب القضاة و مأوى السيارات. يتركهم كمال كل يوم ليتجه كل مرة إلى مكان ما، وجهة اليوم هي الحانة الجديدة المتفق عليها، قصدها كمال بحماس شديد و لابد و أنه ليس من الصدفة أن يرتدي أفضل مالديه اليوم، فهو مستعد للجلسة و مستعد أيضا لمهاجمة كل أنثى يراها و مهما كانت وضعيتها.
تقع الحانة  في حي راق يسكنه أصحاب الوضائف العليا الذين يبتعدون عن المشاكل و عن الإختلاط بالعامة، و عن كل ما يمكنه أن يفسد راحتهم. لا تسول في الحي و لا فضلات في الطريق المعبد و النظيف و الخالي من الحفر، أشجار الزينة ترمي بأزهارها إلى خارج الأسوار التي تسقط على الرصيف ليصبح الطريق مثل بساط الملوك الذي يوضع في مراسم الزواج أو في الإحتفالات الرسمية. سيارات فاخرة أمام الأبواب و لا وجود لحركة تذكر. يخيم الصمت على كامل الأرجاء لأن جميعهم يشتغلون و أبناءهم يدرسون، على عكس الأحياء الشعبية المكتضة بالمنقطعين عن الدراسة و بخريجي السجون، دائموا الصياح و الشتم. هنا تمتلك السيدة إكرام منزلين تسوغهما لبعض ميسوري الحال.
في الحانة، يوجد العديد من الأشخاص الذين يبدوا و أنهم من الأثرياء، يرتدون ملابس أنيقة، بأيديهم ساعات لامعة و سجائر سميكة، يجلسون مع فتيات في عمر بناتهم، يضحكونهم و يدفعون من أجلهم مقابل قضاء ليلة حمراء سرعان ماتزول متعتها إثر أول خلاف مع الأبناء و الزوجة. هي حانة جديدة يشتغل بها نادل شاب و البقية نادلات مثيرات يزدن في الجلسة إثارة أكثر، يجلسن مع الحريف و يسألن عن أحواله و مشاكله و يقدمن  له في بعض الأحيان حلولا و مقترحات. طاولة كمال و أصدقاءه كانت محجوزة منذ يومين، قوارير الخمر في أبهى حلة وراء الشاب الذي يشتغل على الكونتوار، يمتزج الضوء مع البلور الذي يحتوي المشروبات ليكونا مشهدا يزيد في ضمإ الحريف و يشد إنتباهه. أضواء بمختلف الألوان تساهم في إمتصاص تعب الزائر و تحسيسه بأن الحياة جميلة و لا يوجد شئ أو شخص نغضب من أجله و نعطيه مكانة أكبر من التي هو عليها. يجلسون على أريكة رائعة تسر الجالس و تشعره بالراحة، تحف و صور في كل مكان. جاءت النادلة، هي شابة شقراء طويلة القوام تلبس لباسا قصيرا محل نظر جميع من في الحانة. إبتسامة مثيرة تكسو وجهها الجذاب، تضع شعرها الغزير على  كتفيها و ترحب بالرفاق مبتسمة و تسألهم:
- مرحبا بضيوفنا الكرام، أبإمكاني إحضار شئ لكم ؟
ينظر الشباب إلى بعضهم البعض، و يرد عليها جلال: "إثنان بيرة لكل واحد".
ترد الفتاة بكل إحترام: "حاضر يا باشاوات".
يبدو أنها أعجبتهم و خاصة يوسف الذي فكر في الحين بنظم قصيدة يصف من خلالها ما رآه من حسن الخلق و الأخلاق يلقيها عليها في الجلسة القادمة لكن وسط إستهزاء و  تهكم و ضحك البقية.
جلبت الشابة ماطلبوه بسرعة، وضعت أمام كل واحد منهم زجاجتي بيرة و كأسا و صحن به القليل من الفواكه الجافة. شكرها يوسف و قال لها:
"سألتها قبلة ففزت بها
بعد إمتناع وشدة التعب
فقلت بالله يا معذبتي
جودي بأخرى أقضي بها أربي 
فإبتسمت ثم أرسلت مثلا
يعرفه العجم ليس بالكذب
لاتعطين الصبي واحدة 
يطلب أخرى بأعنف الطلب".
ضحك الجميع، حتى الفتاة أعجبتها أبيات الشعر و ردت قائلة:
- من أول مرة تطلب قبلة ؟ أهذا جنون أم فصاحة لسان ؟
- بالتأكيد جنون.
- سأدعو لك بأن يشفيك الله.
- لن أشفى إلا بعد معرفة إسمك.
- إسمي هو دلندة و شكرا على هذه الأبيات، لكن أتمنى أن تلطف من ألفاظك في المرة المقبلة.
- حسنا يا قاسية.
أعجب الجميع بهذه الأبيات، و إنبهروا بسرعة يوسف في نظم الشعر، لكن هذا الأخير سرعان ما أخبرهم بأن الأبيات هي للشاعر أبي نواس، و هو الأمر الذي أضحك كمال و جعله يقهقه دون توقف. فرغت الزجاجات و طلبوا المزيد، ضحكوا و تمتعوا و أفرغوا كل الشحنات السلبية، حتى إنهم صاروا يرقصون بوحشية على إيقاع موسيقى هادئة مما أثار دهشة المتواجدين بإستثناء أحمد الذي لازم المقعد. خرج معظم الحرفاء، عاد البعض إلى ديارهم و البعض الآخر إلى شقق إستأجروها خفية عن زوجاتهن. لم يبقى سواهم و إنظمت إليهم دلندة بعد أن أنهت عملها، دار حوار ثنائي بينها و بين يوسف حيث علم بأنها طالبة تعيد السنة النهائية من الدراسة، و لا تتمتع بالمنحة و نظرا لظروف عائلتها المادية القاسية إلتجأت إلى هذا العمل الليلي المحفوف بالمخاطر لتحقق مصاريف الدراسة و الأكل و اللباس. لقد تجاوز الوقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أحس كمال بالإرهاق و أخبرهم برغبته في الخروج، لم يرفضوا طلبه لأنهم تعبوا أيضا. دفعوا ثمن ما إستهلكوه و خرجوا، إندفع كمال مسرعا إلى الحائط و تقيأ كثيرا، لأنه و ببساطة قد شرب أكثر من 12 زجاجة بيرة حيث لم يتجاوز في العادة 7 أو 8 زجاجات على أقصى تقدير و بدأ يشعر بشئ لم يسبق أن شعر به. يشعر بأنه فاقد للوعي تماما، و بدأ يتخيل أشياءا كثيرة مع صعوبة في التحرك و المشي. ساعده جلال على الوقوف، و عادوا إلى منازلهم. وصل كمال إلى العمارة، بحث عن مفتاح الشقة لأنه لا وجود للإضاءة بسبب سياسة التقشف التي يتبعها المالك، بعدم إصلاح كل ما هو معطب، و بكثرة البحث وجد المفتاح في الجيب الخلفي للسروال مع ورقة صغيرة لم يعرها أي إهتمام. دخل و ذهب مسرعا إلى الحمام ثم إستلقى على سريره بعد أن وضع الهاتف و المفتاح على الطاولة، و قرأ محتوى الورقة: "أنت من أروع الحرفاء الذين قابلتهم، يمكنك الإتصال بي متى شئت و هذا هو رقم هاتفي... دلندة".
نام كمال من شدة الدوار الذي أحس به دون أن يغير ملابسه حتى، فالدوار الذي أحس به لم يشعر به في السابق.
أحمد الهواري هو شاب نحيف أبيض البشرة ذو أنف طويل، نادل يعرف كل كبيرة و صغيرة عن أهالي المدينة و أخبارهم و حتى وضعهم المادي و العاطفي. لكن ما هو ليس عادي أن هذا الأخير لا يغمض عينيه ليلا إلا بعد تدخين سيجارة مخلوطة بالقليل من المخدرات. يريد أن ينتشي هو الآخر لأنه يتعرض كل يوم و كل ساعة إلى قهر البلاد، تحصل على الإجازة في علم الإجتماع لكنه لا يزال ينتظر العمل مثله مثل مليون شاب آخر. إلتحق بالجماعة بمناسبة لعب الورق في إحدى المقاهي أين وجد نفسه يشبههم و يقتسم معهم العديد من الصفات و خاصة أنه مرتاح معهم. بعد السهرة الراقية في الحانة الجديدة عاد هو الآخر لبيته، غلق الباب بعدة مقافل لأنه خائف من الزيارات الفجئية. إنها الثالثة صباحا، يفتح صندوقه الأزرق القديم و يخرج سجارة و ولاعة و علبة صغيرة مكعبة. يفرغ محتوى السجارة و يخلطه بمسحوق أبيض موجود بالعلبة الصغيرة ثم يرجع كل شئ إلى مكانه الأصلي و يستمتع بالمنتوج الذي تحصل عليه، هذا هو جدول أعماله كل ليلة غير مبال بصحته و بصعوبة وضعه المادي. يستلقي على السرير متجردا من كل ملابسه، يستمع إلى أصوات مصدرها الشقق المجاورة ممتزجة بأصوات الموسيقى الجمايكية. في حقيقة الأمر إن أحمد يحاول خلق عالمه الخاص على ضوء ما شاهده في أفلام الحركة و ما قرأه في الروايات البوليسية، و من حقه أن يفعل ما يريد بشرط عدم الإضرار بالناس. يتلوى و يسقط من فوق السرير ثم يخلد إلى النوم من قوة المخدر الذي تناوله، يستيقظ في منتصف النهار ليستحم و ليخرج إن كان يعمل مساءا. الكثير تبنوا هذا الحل و القليل منهم من إستطاعوا الإقلاع عنه و التخلص منه بدون متاعب أول بأقل قدر منها، هو أمر يشبه النفق المظلم، يمكن أن يشعر فيه الشخص باللامبالاة و النشوة لكن في المقابل فإنه سيخوض تجربة فريدة من نوعها من حيث العقاب الديني و العقاب الإجتماعي و العقاب البدني و العقاب القانوني. ليتنا بقينا صغارا لا نعلم عن الدهاء و النفاق شيئا، كنا لا نملك سوى الضحك و بعض اللعب المصنوعة يدويا من الخيوط و قطع البلاستيك.
أحمد لم يتراجع أو يتردد عندما وضع في هذه السهرة القليل من المخدر في كأس كمال الذي أحس بدوار غريب أفقده وعيه.
تحميل ..