rachid tahiri @rachid_8

2017-10-22 20:47:29 للعموم

مغازلة

قليلة هي الأحيان التي يستقيم فيها الكلام وأنت لا تخاطب به أحدا ما على وجه التحديد، فحين لا توجه الأفكار إلى موضوع ما كي تخوض فيه، تعود لتتصارع فيما بينها لتنتج خطابا مبتورا لا سياق له، تلك عادتي وذلك دربي منذ أن عرفت الكتابة...

كنت قد عطلت هذه العادة ولو على هذا الجدار الشفاف، لكن الحنين إلى حضن الحرف يأخذني على مضض لأرقن بعض الكلمات كما يفعل طفل حين يعود إلى لعبته المنسية، ولأن الطفل لم يكبر بعد بداخلي فسرعان ما أجهش بالحنين حانيا قريحتي للقلم البتار والبيضاء الفاضحة.. هذا الليل فريد.

لليل يا سادتي كنه وكيان، أحس به مثلما أحس بالروح التي أحمل بين أضلاعي وهي التي تخاطبكم الآن، لليل هدوء ووقار كشيخ مهيب. هذا الليل يستر أثداءنا المعروضة في سوق النخاسة بأبخس الأثمان، يستر قناني الخمر المكبوبة في كؤوس لامعة، يستر تلك الأمة الجائعة التي تفترش الأرض و تلتحف السماء عند نهاية الشارع المؤدي للزاوية، يستر ملايين اللواتي تجاوزن الثلاثين وغزت التجاعيد وجوههن ولازلن ينتظرن العريس، يستر ملايين المواهب التي كبتت، ملايين الأحلام التي قتلت، يستر جحافل المعطلين والمهمشين والباحثين عن لقمة عيش تسد الرمق، عن جرعة ماء ترد العرق، هذا الليل يستر ولائم الكبار و بذخهم، يستر أيضا طغيانهم، هذا الليل يستر دمعة يتيم يحن إلى حضن رحيم، يستر دموع الغلبة والهوان، يستر كل ذلك يظل يراقب في صمت.

يستمع إلى أحاديث العشاق المملة دون كلل، يأوي إليه تعب النهار ويحضنه، هذا الليل رحيم يستحق أن نحبه، أن نقدسه...

يستحق أيضا أن نذرف من أجله الحبر لنكتب عنه القليل.

ر.ط

تحميل ..