أيمن دلول @ayman_dalloul

2017-10-01 09:30:29 للعموم
من سرق البيضة؟!

بقلم/ أيمن تيسير دلول

كاتب وإعلامي فلسطيني

في مدينة وادعة على سواحل الشام عاشت عائلة مسلمةٌ بأخلاقٍ وقيم توارثتها عن قُدامى الأجداد، فالجود وإكرام الضيف وإغاثة االملهوف تلك شيمهم وصفاتهم، وبجوارهم سكن حكيم ابيضت لحيته، وانحنى ظهره، ورسمت التجاعيد في وجهه تفاصيل حنكته ومعرفته بالحياة والتعامل مع فصولها وأحداثها المختلفة.

" مرزوق" هذا الذي نتحدثُ عنه عاصر أجيالاً مختلفة، وأحداثاً عديدة، وتعامل مع أقوام وأناس كُثر سكنوا في حارته أو مروا عليها، وهكذا مع الأيام كان يقصده الكبار والصغارُ كلما واجهتهم مشكلة استعصت على الحل، ولا يخرجون من عنده إلا ونفوسهم راضية، وأفئدتهم مطمئنة، ويُطبقون ما أرشدهم إليه خطوةً خطوة، ليعيشوا سعادة انفراج تلك الأزمة التي جاؤوا يقصون تفاصيلها له.

مضت الأيام، وطوت السنين صفحاتها الواحدة تلو الأخرى، وسكن بجوار "مرزوق" رجل كبيرٌ في السن، وأطفاله، وكان بصحبتهم دجاجة، يتفقدون عشها مع نهاية كل أسبوع، ينالون سبعاً من البيضات، وفي أحد الأسابيع ذهبوا لتفقد البيضات فلم يجدوا إلا ستاً، حينها تركوا الأمر من باب أن الدجاجة قد تقاعست عن كرمها، لكن ولما تكرر الأمر، حمل الأب الكبير بعد نصيحة جاره هذه المشكلة وذهب بها إلى "مرزوق" يسأله: ما بالُ الدجاجة قد حجبت عنا إحدى بيضاتها السبعة؟.

نظر إليه "مرزوق" بينما كان يهز رأسه ويبتسم ابتسامة خفيفة، وفاجأه بما قال:

وما أدراك بأن الدجاجة هي التي تقاعست؟ لماذا لا يكون أحدهم سرق البيضة؟.

ولأنها بيضة واحدة ولا قيمة لها، لم يُعِر الرجل العجوز نصيحة "مرزوق" الاهتمام المناسب، فمضت الأيام حتى أصبح عند ذلك الرجل سبعُ دجاجات، فاستيقظ ذات يومٍ فلم يجد إحداهن، حينها دبت الحيرة في نفسه، بدأ يفتش يميناً ويساراً، لكنه لم يهتدي إلى مكان الدجاجة السابعة، فتذكر الحكيم "مرزوق"، ذهب إليه وحكى له تفاصيل ما جرى، فما كان منه إلا أن ذكره برؤيته التي أخبره بها قبل سنوات:

من سرق البيضة؟

حينها تملك الغيظُ الرجل العجوز وانتفض من مكانه غضبان لنصيحة "مرزوق"، بل اعتبره فاقداً لعقله، وربما مستهزئا بقصته، ومضى مستغربا من حديث أهل الحي عن حكمته وذكائه الكبير، وطوال طريق عودته للبيت أخذ يحدثُ نفسه:

أسأله عن مصير الدجاجة، فيعود بي إلى الوراء سنين عديدة ليسألني: من سرق البيضة!!

تمضي الأيام والسنون، لتتسع ممتلكات ذلك الرجل العجوز، لكنه أصبح لا يقوى على العمل وسلم ما يملك لأبنائه وأحفاده، ورغم ذلك إلا أنه كان على إطلاعٍ بسيط لتقدم واتساع تلك الممتلكات، التي أصبح من بينها مجموعة من مزارع المواشي والأبقار. وذات صباح استيقظ الشركاء على نبأ اختفاء أعظم بقرة في مزرعتهم، فقد كانت الأكبر والأكثر انتاجاً للحليب ويُشارُ لها بالبنان من بين باقي الأبقار.

دب الحزنُ في قلوبهم جميعاً، فالمُصاب جلل، وهذه البقرة من الأركان المهمة لمزرعتهم السعيدة، ولما أن عَلم والدهم بما جرى طلب منهم أن يذهبوا به إلى "مرزوق" الحكيم، فقال كبيرهم:

يا أبتِ ألا تزال في غيك القديم وتعتقد بأن "مرزوق" سيعرف سارق البقرة؟!

صمت الأب خلال مسيره مستنداً على اثنين من أبنائه، وأخذ يفكر بالحالة التي سيقابل عليها "مرزوق" وهو الذي لم يعمل بنصيحته خلال مراتٍ خلت، بل واستهزأ بما كان يطلبه منه.

وحينما وصل إلى "مرزوق" وقبل أن يتحدث بأي كلمةٍ بادره بقوله:

من سرق البيضة؟

حينها انطلقت ضحكات استهزاء من أبناء الرجل العجوز، وبدؤا يلومون والدهم الذي أصر على القدوم، وأضاع جزءا من وقت عملهم الثمين، لرجلٍ يدعي بأنه حكيم!!

لم يستعجل الوالد المُسن المغادرة هذه المرة، وقرر الجلوس لسماع رأي "مرزوق" فيما جرى، فأخذ يحدثه:

طلبتُ منك معرفة سارق البيضة، فلم تسمع مني، ولو أنك كشفت وحاسبتَ سارق البيضة على صغرِ حجمها لما تجرأ على سرقة الدجاجة، ومن ثم البقرة من بعدها.

السارق يا عزيزي إن لم تضرب على يده في المرة الأولى سوف يأمن العقاب، وبالتالي ستجد منه إساءة في الأدب، ألم يقولوا "من أمن العقوبة أساء الأدب"؟

بدأ الرجل الكبير يبحث في دفاتره القديمة، بعدما اقتنع بطلب "مرزوق" للبحث عن سارق البيضة، وأخذ يربط تفاصيل ما جرى حينما تمت سرقة البيضة، ومن ثم الدجاجة، إلى أن وصل لسرقة البقرة، فاهتدى إلى ابنه الكبير، ليجد بأن الثقة التي منحها إياه، وعدم البحث عن سارق البيضة من البداية قد جعله يصل لسرقة البقرة في نهاية المطاف.

وما بين سارقٍ للبيضة إلى آخر سارقٍ للوطن والبلد، ومرتشٍ وفاسدٍ تعيش بلادنا العربية في غالبها، فقد تركت الفسدة والسارقين يعيثون في أوطاننا فساداً، فأصبحنا لا نُفلح في معرفة "من سرق البيضة" كي نهتدي لذلك الذي سرق البقرة.

Email: ayman.dalloul@hotmail.com

تحميل ..